ولاية الفقيه والمتغيّرات الدولية القادمة وفلسفة الانتظار ( إيران نموذجاً )

محمّد صادق الهاشميّ

ونحن نقف على مفترق طرق – كعالم إسلاميّ مرتبطٍ بالمتغيّرات الدولية والإقليميّة – بين أنْ نكون أو لا نكون، في ظلّ التحرّك الدولي بقيادة الروس والصين والدول المتحالفة معها لتغيير موازين القوى في العالم، ولابدّ أنْ نبحث عن سِرِّ قوّتنا لرسم المستقبل، وسِرِّ قوّتنا هي ( ولاية الفقيه ).
نعم للفقيه دورٌ في حياة الأمّة الإسلاميّة، وشيعة العراق بالأخصّ في ظلّ الظروف القائمة، وهكذا الجمهورية الإسلاميّة في إيران، ونحن – شيعة العالم اليوم – أمام تجربةِ حاكميةِ الفقيه، سواء كانت موسّعة أو محدودة، فإنّ الفقهاء لهم تجربتهم التي لا يمكن إنكارها.
أضواء على حاكمية الفقيه:
يجدر بنا أنْ نسلّط الكلام على أهميّة حاكمية الفقيه على ضوء ما يلي :
أوّلاً: الواقع العملي لتجربة إيران الإسلاميّة:
إنّ الواقع العمليّ لتجربة الجمهورية الإسلاميّة يثبت أنّها قد قطعت شوطاً كبيراً في التطوّر قياسا إلى تجارب إيران في العهد العلمانيّ السّابق، ويرى أيّ مُنصفٍ أنّها في ظلِّ ولاية الفقيه ناهضةٌ، وتتجه إلى أنْ تكون دولةً كبيرةً ومهمّة، وهذا دليل عمليّ، وليس علميّ بحثيّ على نجاح التجربة، ويحقّ للشعوب المسلمة أنْ تقتدي بها، وأنْ لا تقتدي بالنموذج السياسي الغربيّ، ولو أجرينا مقارنة بين إيران في عهد الشاه العلمانيّ وبين إيران في ظل حاكمية الفقيه، لكان الأمر مختلفاً، ولكان الفارقُ كبيراً من حيثُ الموقع السياسيّ، والأهمّية العالميّة والتطوّر العمرانيّ والتكنولوجيا…والخ .
ثانياً: توعية الشعوب للدفاع عن مصالحها:
إنّ الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة قد استنهضت الشعوب الإسلاميّة للدفاع عن مصالحها وسيادتها وحقوقها بفعل تأثيرات الثورة الإسلاميّة، ولم تعد المنطقة كما كانت عليه من قبلُ، حينما كانت عبارة عن بستان يلهو به الأمريكان والغرب.
نعم ان تجربة إيران الثورية بقيادة الفقيه انهضت المسلمين، وما عاد الفلسطينيّ مكتفياً بالحجارة، بل يمتلك الإرادة والسلاح والقرار، ووفّرت للمسلمين الحماية، ولولاها لكانت هذه الشعوب لعبةً بيد الاستكبار.
ثالثاً: إنّ إيران ساهمت في نشر الفكر الإماميّ:
إنّ الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة في زمن ولاية الفقيه قد مكّنتِ الفكرّ الإسلاميّ الإماميّ الذي كانت حبيسا في رفوف المكتبات، والتي كانت تتعرّض إلى التحريف والتزوير، بينما كان الفكر السنيّ في مختلف البلدان في غاية الانتشار بإسناد الحاكمين، فثورة الفقيه انعشتِ الفكرَ الإسلاميّ الأصيلَ، وبفضلها تطوّرت البحوث، وتوسّعت الجامعات ومراكز الدراسات وفي مختلف المجالات ممّا يجعل المسلمين يتّجهون في ظلّ الثورة من الثورة إلى بناء الدولة، ومن بناء الدولة تؤسس الحضارات .
وأيضا وسّعت مساحة الجغرافيا السياسية للشيعة ، ومكّنتهم من استعادة هويتهم، وحوّلتهم إلى شعوب لها مكانتها المحترمة، بعد أنْ كانوا لا قَدَرَ لهم في زمن الاحتلال الأمريكيّ والغربيّ للمنطقة والممتد قرونا .
رابعاً: إنّ شيعة العراق كانوا قد نجحوا في الثورة وفشلوا في بناء الدولة
إنّ التجارب التي عاشها المجتمع الشيعي في العراق بين العهد الذي كانت الأنظمة السنية والعلمانية تحكم العراق ، حيثُ حكم العثمانيون العراقَ ( 400) سنة، ثمّ البريطانيون 100 عام وصولا، إلى عام 2003 وهي آخر مرحلة الحكم السنّي في العراق، وفي كُلّ هذه المراحل كان الشيعة في العراق يعانون من الموت والقهر والتهميش والتسفير والطرد، ففي عام 1914 حينما دخل البريطانيون إلى العراق قامت الحوزة العلميّة والمرجعية بدور جهادي مهمّ استمرّ إلى عام 1920 والتي ختموها بثورة العشرين والتي هي أكبر الثورات الشيعية التي أَعطي بها شيعةُ العراق ضدّ الاحتلال البريطاني (150) شهيداً وفقيداً وجريحاً، إلّا أنّ المراجع مقابل ثورتهم في طرد الاحتلال، ونقل الحكم من البريطانيين إلى العراقيين – لم يكن لهم دور ومشروع للاشتراك في الحكم، فهم قد نجحوا في الثورة، وفشلوا في الدولة، ونتيجة هذا عَامل السنّةُ القوميين والعلمانيين والسلفيين الشيعة بالاضطهاد، وكانت من بواكير الحكم السنّيّ تسفير المراجع من العراق، ومنهم السيّد المرجع أبو الحسن الأصفهانيّ، والمرجع النائيني والخالصي وغيرهم ، عام 1921 أي بعد عام واحد من ثورة العشرين، وبعد ثلاثة أشهر من استّلام السنّة للحكم، زمن السعدون، واستمر الظلم للشيعة، وقتل وإعدام المراجع، وشنّ الحروب قرنا من الزمان، وقد قدّم الشيعة ملايين الشهداء والجرحى والمسفّرين والمغيبين والمظلومين والمحرومين والأيتام والأرامل. ونفس الكلام يقال في إيران، وفي لبنان، وعليه فإنّ هذه التجارب الواقعية تكشف أهمّية تصدّي الفقهاء للدور السياسيّ، فلابدّ للشيعة من استلام الحكم والمشاركة في العمل السياسيّ، ولابدّ من حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم .
فهل بعد تلك التجارب يمكن القول : إن حكم ولاية الفقيه غير صالح، وأنّ السكوت والاعتزال هو الأصلح؟
بينما الشيعة اليوم في العراق وفي ظلّ الوعي المرجعي في أحسن احوالهم؛ إذْ تمكّنوا من أنْ يثبّتوا حقوقهم الدستورية، وكُلّ هذا لم يكن ليتحقق لولا المرجعية ودور الفقيه، لكنه يحتاج إلى إخلاص المؤمنين، وترفّعهم ونزاهتهم ومواقفهم المخلصة لبناء دولة العراق، لا أنْ يكونوا مستثمرين فيه .
خامساً: دور فتوى المرجعيّة في دفع شرور الدواعش:
حينما هاجم ( داعش) العراق لم نجد امكانية عملية لمواجهة التحدّيات، إلّا بصدور الفتوى من المرجع السيّد الإمام السيستاني (أطال الله بقاؤه)، وبدعم الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة ، من تنظيم، وتمويل، وتخطيط للحشد، فلولا وجود الفقهاء وعلى رأسهم السيّد السيستانيّ والسيّد الخامنئيّ لكان مصير شيعة العراق الموت والقتل والإبادة .
إذن موقف المرجع السيستانيّ والمرجع السيّد الخامنئي ودورهم وممارستهم الفتاوى الولائية هو الذي أنقذ الشيعة في العراق والمنطقة، فلو كانت إيران علمانية، أو كان المتصدّي هو الشاه لما كانت إيران تمارس دورَ الحامي لشيعة العراق وعموم المسلمين، فلا مجال للقول: أنّ دور الفقيه الدرس والاعتزال عن السياسة .
ويرى أصحاب هذا الرأي: أنّ المراجع الآخرين وإنْ كانوا يدعون فصل السياسة عن الدين إلّا أنّهم عمليا يمارسون العمل بوظيفة ولاية الفقيه، وإلّا لأمكن القول: إنّ حماية المسلمين ليس من مسؤولياتهم، وهذا لا يقول به مؤمن .
سادساً: بطلان المدعيات الاستشراقية الغربية:
إنّ قيام تجربة الحكم الإسلاميّ في إيران أثبتت بطلان المدّعيات الاستشرافية الغربية عبر قرون، و تفنيد مطولات الكتب والتي تقول بعدم إمكانية الاسلام أنْ يوفّر نظريةً ونظاماً للحكم الإسلاميّ؛ لقصور التشريع، وفقدان التجربة، وأنّ الإسلام تعاليم شرعية وأخلاقية، ولا يوجد في التشريع الإسلاميّ أيّ أدلّة على الحكم وبناء الدولة وتشريع القوانين، بيد أنّ الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة التي اعتمدت مبدأ ولاية الفقيه أثبتت نجاحها ضدّ العلمانيين ومتبنياتهم، وضدّ الأحزاب السنية السلفية والإخوانية؛ لأنّها كلّها قد فشلت وخسرت موقَعها، بينما تجربة نظام الحكم المعتمد على قيادة الولي الفقيه باقية ومتطوّرة في كُلّ المجالات العلمية والخدمية والإدارية والأمنية.
وعليه فإنّ إيران الفقيه تجربةٌ الإسلام السياسيّ الذي يمنح الاسلام الدليل على قوّته وتوفير مقوّمات الدولة والحكم والعدالة، وتجربة الشيعة في العراق في ظلّ جهود المرجع السيستاني هي الأُخرى دليلٌ على بناء تجربة حكم متعايشة مع المكوّنات المذهبية والقومية المختلفة والأيديولوجيات المتعددة .
سابعاً: للشيعة اليوم مكانةٌ سياسية عالمية:
ظروف المسلمين عموما، والشيعة خصوصاً اليوم بفعل قيادة ودعم ولاية الفقيه أفضل ممّا كانوا عليه سابقا يوم كانوا مجرّد شعوبٍ لا قيمة لها، بينما اليوم هم بوضع يتحلّون فيه مكانةً مهمّة في إقليماً وعالياً، وهم قطب مهمٌ في الاقتصاد والأمن، بينما كانوا مجرّد شعوب لا دور لها، والعدوّ الأمريكيّ يسرح ويمرح في العالم كلِّه، ينهب الثرواتِ، ويقتل الطاقاتِ.
ثامناً: إنّ الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة مصدر عزّ وكرامة:
لو لم تكن تجربة ولاية الفقيه قويةً، ومصدرَ عِزَّةٍ للمسلمين لما عملت أمريكا على معادات هذه التجربة الراسخة، وهذا يكشفه منهج الغرب وتمويلهم البرامج التسقيطية للمراجع؛ لأنّ أمريكا تريد إسلاماً ذليلاً، وتريد مسلمين لا قيمة لهم ، لا يمنعون أمريكا من نهب الثرواتِ ومصادرة الطاقاتِ، ومنع النهوض، وكم هو الفارق بين إيران الاسلام في القيم والتطوّر والتربية وبين الشعوب الإسلاميّة السنيّة التي تمكّنت أمريكا من فرض ثقافتها عليها.
تاسعا: حاجتنا إلى مراجعة التاريخ:
نحتاج إلى مراجعةٍ للتاريخ القريب المعاصر لنتأكّد بجدٍ عن أهمّية دور الفقيه في حماية الإسلام والمسلمين، وصدّ التحديات، وتكفينا رسالة السلطان العثماني إلى مراجع الشيعة في النجف ورجائه منهم أنْ يُصدروا فتوى لمواجهة الاحتلال البريطاني؛ لأنّه أدرك عدم قدرة الفتاوي السنّية في تركيا وغيرها على تحريك الأمّة الإسلاميّة ضدّ الاحتلال البريطانيّ، هذا فضلا عن أدوار المرجعية والفقهاء بفعل ولايتهم في الجانب الاجتماعيّ والانسانيّ والعلمي وغير ذلك .
ويهمّنا كنتيجة أنْ نؤكّد أنْ نقول: إنّ ثَمّة متغيراتٍ قادمةً، وليس للأمّة الإسلاميّة أنْ تكون خارج الأحداث، بل لا بدّ لهم أنْ يكونوا في قلب العالم من خلال الرجوع إلى مظلّة ولاية الفقيه.
: 27 / 2 / 2022م .