الفكر الماركسي فتق ليس له رتق / القسم الثالث

حامد البياتي

ماركسيو الشرق اكثر ماركسية من كارل ماركس نفسه، ويصدق عليهم المثل، انهم ملوكيين اكثر من الملك، وحالهم هذا هو اشبه بحال ذلك الخادم الذي سئل عن مقام سيده ومرتبته العرفانية، فاجابهم، انه يلتقي مع الامام صاحب العصر والزمان متى شاء وله معه خلوات ومناجات، وحينما سالوا السيد للتوثيق، انكر ذلك وكذب، فعادوا للخادم ناكرين عليه افراطه ومغالاته، فقال لهم اتركوا سيدي انه لايفهم ولايدري مايقول٠

قد قالها ماركس بلسانه الفلسفي، بان نظريته المادية التاريخية باقسامها، الشيوعية الاولى والعبودية والاقطاعية والراسمالية والاشتراكية الثانية، تتشبع في اوربا وتتخذ منها مسرحا لتدول عليه بادوارها الخمسة، وان هناك اجزاء اخرى من العالم، ومنها حضارات الشرق وكذلك الاجزاء الاسلامية، لم تخضع لهذا التقسيم والتصنيف، ولذلك ابتكر نظرية لها، سماها بنمط الانتاج الاسيوي والتي اضيفت الى تراثه في اوائل عام ١٨٥٠ اي بعد عامين من طرحه بيان الحزب الشيوعي ( المانيفستو ) الذي تنبأ فيه بان المستقبل الشيوعي سيظهر في الدول الصناعية المتقدمة راسماليا كبريطانيا العظمى والمانيا وماشابه، بينما ظهرت الشيوعية في دول كانت متقدمة ومتمرسة في نظامها الاقطاعي كروسيا والصين، وعلى العكس من تدليجاته، فقد ازدادت الدول المتقدمة التي توقع لها الانهيار قوة وانتظاما من خلال التشريعات المنصفة التي قدمتها الى العامل الاوربي الذي اصبح محسودا من نظيره في ( طبقة البوليتاريا ) التي زادته الشيوعية بؤسا وفقرا وعنفا، ولكن ومع هذه المعطيات الكارثية المعروفة، يصر ماركسيون الشرق على علمية النظرية وعالميتها وضرورة تطبيقها على مجتمعاتنا ولو سفك الدم وخاضت المهج وتصاعدت اللجج٠

ماركس الذي اراد ان يكحل عين نظريته المادية فيما يخص الشرق، ففقئها، بقوله ان نمط الانتاج الاسيوي محوره الماء والانهار، فبما ان اسيا وافريقيا في غالبيتمها بخيلة الماء واراضيها تضربها التحجر والتجريف وهي على الضد من اوربا الخضراء ( وهو يعود ثانية الى عقدة القياس مع اوربا ولم نراه يبرأ بعد من عدواها على الرغم من اعترافه السابق ) فلذلك يزعم ان من يهمين على منابع المياه، فعندها يملك الية الاحتكار والرئاسة والتسلط، ومن هنا نشأت وتغولت الديكتاتورية الاقطاعية التي تلتهم الارض وبالتالي تلتهم جهد وجلد ووجود الفلاحين، ومن ثم اصبحت احد الادوار التاريخية في الشرق٠

وطبقا لهذه المرئية فينبغي ان لايكون هناك اقطاعا في اوربا، فسمائها تجود بالقرب على ارضها التي تشقها الانهار والعيون، وجبالها تتراكم على قللها اكاليل من الثلوج التي تفيض عليها جداول في رقراقها كانها درر ولآلئ، ومع ذلك فان اشرس الاقطاعيات واوخزها وجعا كانت فيها، بل ان السلطان او الملك كان الاقطاعي الاول ثم ياتي من بعده اقطاع الكنيسة الجشع وطبقة النبلاء والامراء والاستقراطيين الذين يتنعمون بانتاج الفلاح الذي كان يحن الى كسرة قرص، هذا اولا٠

وثانيا، وبالرغم من ان بعض مناطقنا قاحلة وكثبانية وتعوي فيها عواصف الرمال كشبه الجزيرة العربية ومنغوليا الا ان الاقطاع لم يظهر فيها ولا يعد احد الانماط الاقتصادية الذي يدير البلاد ويدبر شؤونها، بينما كانت هناك وفرة مائية نسبية في البنغال والسند وكازاخستان وتركمنستان ولم تظهر فيها اصلا طبقة الاقطاع، ولكنها ظهرت في الهند وكانت على مستوى لايمكن مقارنته على ماهي عليها في اوربا٠

وثالثا، غاب عن وعي ماركس وتنظيراته الخيالية، ان مجتمعات الشرق في غالبيتها قبلية، وافرادها يلوذون بزعيم القبيلة واطنابه وسرادقه بحثا عن حمايتهم وتامين مستلزمات حياتهم من خلال الانتقال المتواصل برعيهم واغنامهم ودواوبهم الى ارض جديده توفر عشبا وكلأ وماءا لهم، ولهذا فان اغلب الزعامات في الشرق قبلية، ولاتستقيم دوله وتنتظم حباته الا في اطارها القبلي، ولسوف ينفرط عقدها اذا ماحكمه الاقطاع ولو في عالم الافتراض والوهم بل والنكتة٠

كثيرة هي النقود والطعون التي عانت منها نظرية نمط الانتاج الاسيوي لان الرجل هرف بما ليس له ادنى علم بطبيعة الشرق وطبائع شعوبه، فجاء بالطامات كما جاء في ماديته التاريخية، ولكن عجبي لاينتهي من ماركسي ابناء جلدتنا، فلهم عيون لايبصرون بها وقلوب لايفقهون بها واذان لايسمعون بها، وكانهم لم يسيروا في الارض، ولم يتفاعلوا مع احداثها، وياليتهم قرؤا تراثهم الاسلامي وانفتحوا عليه قبل ان يتكلسوا ويتخشبوا على فكر وفد الينا من وراء البحار٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٢٨/٩/٢٠٢١