“الولايات المتحدة الأمريكية” صديقة الشعب العراقي أم عدوته؟

علي أبو محمد

علي أبو محمد – لبنان

مرّ العراق على مدار القرن الماضي بأزمات وحروب كثيرة جعلت من الشعب العراقي يحوز على وعيٍّ وإدراكٍ سياسيّ تمكن من خلاله مواجهة التحديات والإشكاليات في الفترات السابقة، خصوصًا مع تأسيس الحشد الشعبي وقيامه بالحفاظ على وحدة العراق وشعبه أمام أخطر هجوم في التاريخ الحديث. على هذا الأساس، ومع اقتراب الانتخابات النيابية واشتداد التجاذبات السياسية، نطرح تساؤلاً أساسيًا عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحشد الشعبي، وما يحمله من استهدافٍ للعراق.
بعد اجتياح داعش والجماعات الإرهابية للموصل واحتلالهم حوالي ثلث العراق، واقترابهم من العاصمة بغداد، كان لأهل العراق وشبابه قرار المواجهة والعمل على تأسيس الحشد الشعبي ببركة فتوى المرجعية في النجف الاشرف.
قدّم الحشد الشعبي في الدفاع عن المجتمع العراقية والدولة آلاف الشهداء والجرحى أمام الجماعات الإرهابية على مدار أكثر من 4 سنوات، وحينما انتهى التهديد العسكري المباشر من الجماعات الإرهابية عمل الحشد على معالجة التهديدات الأمنية والخلايا النائمة التي تنتشر في غرب وشمال العراق. كما أن الحشد الذي تحول إلى مؤسسة رسمية عام 2016، ويتبع لرئاسة الحكومة العراقية، يعمل منذ السنوات الماضية على تلبية حاجات المجتمع العراقي من معالجاتٍ للبنى التحتية في مناطق عديدة، وتجهيز مدارس وتقديم المعونات اللازمة في مكافحة الوباء الذي فتك في العالم. هذه المؤسسة الرسمية التي تأسست ببركة الفتوى المقدسة ومن حاجةٍ واقعيةٍ للشعب العراقي تم اغتيال قائدها الحاج أبو مهدي المهندس على يد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة التي وإن قدِمت بطلب رسميٍّ من الحكومة العراقية، إلا أن بفعلها هذا قد اخترقت سيادة العراق باغتيال شخصيةٍ رسميةٍ ووطنية. هنا يُطرح سؤالٌ جديٌ حول السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحشد الشعبي.
في الجواب عن هذا التساؤل الأساسيّ استندنا على مراجعة عدد كبير من الدراسات التي أصدرتها مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الباحثين الأساسيين الذين دائمًا ما تتفاعل الإدارة الأمريكية مع توصياتهم المطروحة. وسنحاول طرح عناوين محددة ونستشهد بمصادر محددة.
1- استهداف بنية الحشد الشعبي: هذا الأمر يتم عبر العمل على إثارة النزاع بين مكونات الحشد الشعبي، وذلك بعناوين مختلفة (حشد العتبات والحشد الولائي “هذا المصطلح الذي يهدف إلى حصر الحشد الشعبي بالعرب الشيعة كي يتم نزع الصفة الوطنية عن الحشد وسحب الغطاء من المرجعية الدينية عنه”؛ السنة والشيعة؛ الأكراد والتركمان والعرب)، كل ذلك يهدف إلى نزع الشرعية الدينية عن الحشد الشعبي عبر ربط حشد العتبات بالمرجعية، الأمر الذي يعني أن الحشد الولائي غير مرتبط بالمرجعية؛ أو نزع الشرعية الشعبية عبر تفتيت مكونات الحشد إلى الألوية السنية والتركمانية والكردية وضمها إلى القوات العسكرية التقليدية. (6philipe smith 17-4-2015, ranj alaadin 1-12-201)

2- اغتيال قادة الحشد الشعبي: العديد من الباحثين ومراكز دراسات المؤثرين على صناعة القرار الأمريكي كانوا دائمًا ما يطرحون توصيةً باغتيال قادة الحشد الشعبي. لذا طُرحت وبكل وضوح مسألة اغتيال أبو مهدي المهندس من باحثين أساسيين، مثل:

– مايكل نايتس من معهد واشنطن “تخفيف العناصر الإرهابية المثيرة للجدل مثل أبو مهدي المهندس” ( Michael Eisenstadt Michael Knights, 9/5/2017)
– في نصٍ آخر لمايكل نايتس يقول “الدخول سرًا في حوار منفتح مع العراقيين حول ثمن إزالة أبو مهدي المهندس من قوات الحشد الشعبي، وكذلك التخلص من كافة كيانات كتائب حزب الله، وحزب الله النجباء” (Michael Knights 9-5-2019)؛ قد يهدف نايتس من هذه التوصية إثارة الانقسامات حول شخصية وطنية مثل أبو مهدي المهندس، أو لا أقل إثارة فكرة أن هناك فئات من الشعب العراقي شاركت بحوار حول تنحية أبو مهدي.
– بدلاً من استخدام الخيار الأكثر تطرفاً، على الإدارة الأمريكية أن تبدأ بالتلميح إليه. وهذا يعني على أرض الواقع توجيه الولايات المتحدة ضربة متعمدة شبه مخطئة على هدف حساس للغاية، على غرار استهداف أحد قادة الميليشيات البارزين. وفي المرة المقبلة التي تتعرض فيها قاعدة أمريكية لهجوم كبير بالصواريخ أو بالطائرات بدون طيار، يجب أن يلقى زعيم إحدى الميليشيات حتفه رداً على ذلك، في الوقت والمكان اللذين تختارهما الولايات المتحدة. (Michael Knights, 2\7\2021)

3- العمل على دمج الحشد الشعبي بالأجهزة الأمنية أو إفراغه من العنصر البشري: بعد أن أثبت الحشد الشعبي نفسه كمكونٍ أساسيٍّ في العراق، خلُص الباحثين إلى صعوبة إزالته ووجود كلفة عالية كما التداعيات غير المحسوبة، لذا كان التوجه هو الحدّ من فعاليته ودوره عبر العديد من السياسات ومن أهمها دمج الحشد أو العمل على تسريح قواته. هذه المسار حصل على تأييد الكثير من الباحثين، ومن هذه التوصيات:
– العمل على دمج الحشد الشعبي في باقي المؤسسات العسكرية والأمنية، فمثلاً السنة في الحشد يتم دمجهم بالجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب. ( 1-3-2017 Dave van Zoonen and Dylan O’Driscoll).
– إذا انضم الحشد الشعبي إلى الهياكل الأمنية الحكومية القائمة كأفراد وليس كوحدات، يجب إجراء مقابلات معهم بشكل فردي للتأكد من أنهم مؤهلين ومدربين بشكل صحيح، ويجب فحص سلوكهم السابق لضمان جودة قوات الأمن العراقية. (Hamdi malik, 11\7\2017)
– يجب تسريح كتائب قوات الحشد الشعبي غير الراغبة في الخضوع لسيادة القانون العراقي، ونزع سلاحها، وإعادة دمجها في المجتمع. البداية المهمة هي تجميد الهياكل السياسية للحشد الشعبي وحجمه وميزانيته من أجل وقف أي توسع آخر في السلطة. (crispen smith, 10\3\2020)
4- الحدّ من فعالية الحشد الشعبي ودوره: تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية بعد فشلها في المواجهة المباشرة عادةً إلى جرّ وكلائها وحلفائها لمواجهة أعدائها، كما تحاول أن تضييق الخناق بوسائل تحول دون المواجهة المباشرة. على هذا الأساس سعت الولايات المتحدة في العراق إلى وضع الدولة مقابل الحشد الشعبي، ودفعها لاتخاذ إجراءات تقييد فاعلية الحشد. هنا تبرز التوصيات التالية:
– تدقيق واضح لمستقبلي المساعدات الأمنية لاستبعاد أولئك الذين توجد مؤشرات ذات مصداقية بشأن تورطهم في انتهاكات خطيرة. 20-9-2015
– حرمان الحشد الشعبي المدعوم من إيران من الميزانيات والمزايا المؤسسية، وحرمانه من المزايا الاجتماعية. ( Michael Eisenstadt Michael Knights, 9/5/2017)
– تعزيز سيطرة حكومة الكاظمي على المعابر الحدودية لمكافحة الفساد والتهريب من إيران إلى الفصائل المقاومة. Tamer Badawi 16-9-2020
5- العقوبات المالية: إن الضغط المالي كوسيلةٍ للابتزاز رسختها الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع أعدائها، ولكون الحشد الشعبي مؤسسة رسمية، فهي تحاول أن تدفع الحكومة العراقية كي تمارس هذا الضغط. من هنا تبرز التوصيات هذه:
– المساعدة في منع الحشد من المليار دولار المخصص لقوات الحشد الشعبي من الميزانية الوطنية العراقية، والحدّ من وصولها إلى مليارات الدولارات التي يعتزم المجتمع الدولي المساهمة بها في إعادة إعمار العراق. (ranj alaadin, 22\2\2018)
– التأكيد على سلطة المال التي يتمتع بها العبادي في تمويله للحشد الشعبي. (Rinad Mansour, 1\2\2016)
– وقف الدعم للمليشيات الشيعية، وحجب جزء من المساعدات المقدمة للحكومة المركزية في حال عدم إقرار مشروع قوات الحرس الوطني. (Raed Al Hamed, 21\5\2016)

الحشد الذي تأسس ببركة الفتوى ومن حاجةٍ واقعيةٍ للشعب العراقي وبعد أن أصبح مؤسسة رسمية في الدولة العراقية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية “المدعوّة من قبل الحكومة العراقية بطلبٍ رسميٍ” ما فتئت تستهدف هذه المؤسسة الرسمية، الأمر الذي يضع أيُّ عراقيٍّ أمام تساؤلات عديدة عن السيادة العراقية في ظل ما تقوم به هذه الدولة، وعن جدوائية الطلب الرسمي في مساعدة دولةٍ دائمًا ما تستهدف الشعب العراقي والمؤسسات التي تتبع له.