المحكم والمشبوه بين المنهجين الايماني والعلماني٠

حامد البياتي

تطرب النفس لحديث الاستقامة اذا عمت الخيانة، والى الصدق اذا تكلكل النفاق، والى الجود والرفد اذا شاع الشح و البخل، والى الفروسية والشهداء اذا فترت الهمم وكثر الانبطاح وباتت حياض المسلمين مذقة الشارب ونهزة الطامع وموطئ الاقدام٠

عمر المختار الذي نبت عقله وساعده في المعهد السنوسي، والذي فاق اقرانه في بعض المهن اليدوية وركوب الخيل وفي حسن ديباجيته وجاذبيتها، وشجاعته الاسرة التي يروون عنها، انه قام بقتل اسد غار على قافلته وسلخ جلده وعلقه على قارعة الطريق٠
كان قليلا من الليل مايهجع، فيمضيه في تلاوة القران الذي لايزيد عن سبع ايام في ختمه، وكان من ابرز مايميز شخصيته علمه وثباته وفطنته في التملص من فخاخ الاستدراج التي كان ينصبها له الاستعمار الايطالي العلماني والذي خاض ضده اكثر من الف معركة حامية خلال عشرين سنة دون ان يبالي ان وقع على الموت او وقع الموت عليه، ولكن محنته الشديدة التي فتت في مقاومته، ان بعضا وممايسمى بالعلماء وعلى راسهم الشيخ ادريس السنوسي، عارضوه، وشرعوا بمفاوضات الصلح مع ايطاليا التي اغرتهم بمرتبات شهرية شهية ومنازل فاحشة الثراء والتاثيث واراضي زراعية معفاة من الضرائب، مقابل التخلي عن السلاح ومقاتلة الطليان، مما اوقع فتنة داخل الصفوف المجاهدة التي تولى عمر المختار قيادتها، ولكن وبالرغم من انسلاخ شطرا من اجناده الذين شربوا من نهر الخديعة الايطالي، الا انه وباصرار، خاض جهاده المقدس ضد القوات الفاشية على قلة المؤنة والعتاد والناصر وخذلان القريب والعشير الذين وثقوا بعلمانية موسوليني وقائده غريستاني، حتى تم القاء القبض عليه واعدامه بعد ان كبد اعدائه ربع مليون قتيل وفقيد و١٦ مليار فرنك مما انهك ايطاليا عسكريا واقتصاديا ومعنويا٠

ان هذا النفس المخاتل، الفاسخ للهمم والناقض للعزائم، والذي مارسته العلمانية الايطالية، كان منتعشا في التاريخ ومن ابرز رواده عبد الله بن عمر ( الذي لم يبايع علي بن ابي طالب عليه السلام وبايع رجل الحجاج الثقفي ) الذي كان مواليا للامويين وقد سعى لتنفيذ خطتهم في حبس الامام الحسين عليه السلام في المدينة المنورة لضمان بيعته ليزيد بن معاوية او يقتل فيها، ولكنه حينما علم بخروج الامام استعجل بدابته خلفه حتى التقى به، واظهر نعومة ومرونة لخداع الامام وثنيه عن مسيره وارجاعه، فقال له، اين تريد، فقال له العراق فقد وصلتني منه كتبهم وبيعتهم، فقال له ان الله خير نبيه بين الدنيا والاخرة فاختار الاخرة ولم يرد الدنيا، ثم قال والله لايليها احد منكم ابدا ( ويقصد الخلافة ) وما صرفها الله عنكم الا للذي هو خير لكم فارجع، فابى الامام، وذكره بالكتب والبيعة، وانه لناصرهم و ليس بالخاذل لهم، فعندها عانقه بن عمر وقال، استودعك الله من قتيل٠

لقد وردت في هذه المحاورة عدة معطيات لابد من القاء الاضواء عليها، منها، انه اولا يدعو الامام الحسين ان يدخل في صالح ما دخل فيه الناس لان الجماعة خير وان طوق عنقها بإصر الطاغوت، اذ لاينبغي له شق عصا الطاعة في الامة، وهو عين مانسمعه اليوم، بان تطيع الامير ولو جلد ظهرك ونزع مالك، بذريعة الحفاظ على اللحمة الوطنية والسلم الاهلي، وثانيا انه صنع خبرا موضوعا، بان الله خير نبيه بين الدنيا والاخرة فاختار الثانية، بينما النبي المعظم صلى الله عليه واله قد اقام دوله فيها، ودبر اقتصادها وقضائها وحروبها، ولكنه لم يتكلس عليها ويغتر في زهرتها، بل زهد فيها واتخذها الية ومزرعة للاخرة، لانه لارهبانية بالدين، وقد اقتدى به الامام علي بن ابي طالب والامام الحسن بن علي عليهما السلام، وقد ملكها من قبل، داود وسليمان ويوسف عليهم افضل الصلوات، بل ان ادم عليه السلام وهو اول الخلق كان خليفة للخليقة٠
وثالثا انها دعوة مريبة، ان يكون المؤمنون الخيرون معزولون في صوامعهم وصلواتهم، يقضون نهارهم بالصيام وليلهم بالصلاة ويتركون الساحة للعزار الدعار الفجار يفسدوا فيها ماشاء لهم من شيطنة، وهذا مانشاهده اليوم من طعن وتنكيل وتسقيط لبعض العناصر ( الاسلامية ) التي حكمت فتغولت وتربحت، من اجل اطلاق العنان للاحزاب العلمانية لتتبؤاؤا مقاعد السلطة٠
لاننكر ان الاحزاب التي تدعي بانها ( اسلامية ) والتي خدعها الاستعمار قد اسائت كثيرا وهي مما يشتم ويلعن ولا غضاضة، ولكن بجولة سريعة نرى الكم الهائل من الاحزاب والكتل العلمانية التي حكمت فسطرت على جبين الحياة جروحا وندبا وكويات من العمق بمكان، حيث لايمكن ان تندمل او تنسى او تسامحها ذاكرة الشعوب التي عانت منها٠

قال تعالى في كتابه الكريم ( رايت المنافقين يصدون عنك صدودا )٠
صدق الله العلي العظيم
١١/٨/٢٠٢١