العلمانية الوجه الاخر للميكافيلية

حامد البياتي

تنص الرواية الموضوعة في انجيل مرقس الموضوع، وفحواها، ان اليهود جاؤوا الى نبيهم عيسى، وقالوا له، ان الامبراطور الروماني المتسلط قد فرض علينا الجزية فبماذا تشير، فقال لهم، دع مالقيصر لقيصر وما لله لله، ومن هنا ابتدأ التسويق والتدليج العلماني، لرمزية، فصل الدين عن الدولة والسياسة، وان تكونا غير محكومتين بالحلال والحرام وشريعة الله، وهو ادعاء كاذب ومخالف، لقوله عليه السلام “ماجئت لانقض الناموس ” الذي نزل وحيا على موسى عليه السلام في تنظيم الدولة والحياة، لامور الحرب والسلم ووفقا لاحكام الاسلام، والذي يخالف ايضا قول الله عز وجل ” قل ان الامر كله لله ” والذي لايحيد عنه قيد انمله كل انبيائه ورسله وحججه واوصيائه٠

في القرن التاسع عشر اقيمت اول دولة علمانية في فرنسا وعلى انقاض الكنيسة التي طغت في البلاد، ولكونها في بداية حبوها التاسيسي والتنظيمي ولكون الدين متعرق في الفطرة التي جبل الناس عليها فلم يمكنها تجاوزه او اقصائه بالجملة، فعمدت الى تهميشه وعزله اقساطا عن الدولة، متكئة بذلك على تلك المقولة المختلقة ما لقيصر لقيصر ( نظاما فلسفيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا ورافضا لكل الاشكال الدينية ) وما لله لله ( غيب وطقوس وصلوات وعقيدة اخروية فقط )٠

لقد حاولت الصهيونية العلمانية المتشددة في بدء امرها والتي كان يقودها زعماء محضوا الجحود والمادية محضا في تجميع اليهود من شتاتهم وبدون المفاعل الديني، فباؤا بالفشل والاصطدام مع روحهم التوراتية، فاضطروا الى تبديل ديباجيتهم، فدخلوا التاريخ واخذوا يتحدثون بلسانه، وقالوا ان بني اسرائيل وبعد نبي الله موسى عليه السلام دخلوا فلسطين وذلك مابين ١١٠٠-١٣٠٠ قبل الميلاد، وقد لاقوا على يد الرومان من محن وشدائد وتقتيل وهدم لهيكلهم مرات عديدة، مما دعاهم ان يفروا بدينهم بين الدول، فهاجروا الى المغرب وتونس وايران ويثرب ( بانتظار النبي فيهاالذي ذكر في كتبهم وظنوا انه منهم لينتقم لهم ) وبقي منهم نزرا يسيرا في فلسطين، ولذا يتماحكون اليوم، ان هذه الارض ملكهم وينبغي ان تعود الى حيازتهم وان مايفعلونه من سفك للدم الفلسطيني وانتزاع الاملاك والعرصات والحقول وتهجير الناس منها هو مبرر لحقهم التاريخي، ولكن هذا الادعاء لغوا فارغا، فالكنعانيون كانت قبائلهم تفترش ارض الشامات وتلتحف بسمائها، ولهم جذورهم الضاربة فيها، هذا من جهة، ومن اخرى، وطبقا، لهذا المنطق الصهيوني الاعمى، ينبغي ان ترجع امريكا اليوم وبكل ولاياتها الخمسين الى الهنود الحمر واستراليا بقارتها الى شعبها الاصلي الابورجيون وتركيا الى اليونان، والعراق الى ايران وايران وشمال الهند وتتارستان الروسية الى اسيا الوسطى وبلغاريا الى شمال بحر قزوين والمانيا الى القوقاس، وهكذا بقية الدول، فاوضاع الدول وهوياتها وبحكم الفعل الاستعماري والبيئي والاجتياحي والنزوحي للاقوام المختلفة والعروق المتباينة قد تبدلت وتغيرت عبر التاريخ الطويل، فلمه يبقى لليهود حقهم في ارض كنعان وتبطل مجمل الحقوق الانسانية الاخرى٠

وكذلك ومن خلال قراءة القواسم المشتركة لكل الاجتياحات العلمانية ( الشمولية )، نجد، انها تشيئن كل شئ وتجعله شيئا ماديا صرفا، وعلى هذا فهي لاتفرق بين الانسان الذي نزعت قدستيه والطبيعة، وحولته الى ارقام لتهضمه وتبتلعه وتجعله اسيرا لجموحها، لهذا نرى ان اورپا العلمانية اباحت للخارجين عن قانونها ولمجرميها ومساجينها وللمضطهدين فيها دينيا ( مثل الپروتستانت من قبل الكاثوليك ) بالهجرة الى امريكا وابادة شعبها من الهنود الحمر وافنائهم وبمختلف الوسائل، من حربية وجرثومية ووبائية، حتى كادوا ان ينقرضوا اذ لايتجاوز عددهم اليوم ١،٥/: من مجموع السكان، والاستيلاء على كل ممتلكاتهم، وكذلك فعل البريطانيون العلمانيون في استراليا حيث قتلوا شعبها الاصلي الذي عاش فيها اكثر من ٥٠٠٠٠ سنة والذي يعتقد انهم جاء من جنوب شرق اسيا ولم يبقى منهم ببركة هولاء الوحوش العلمانية الا ٢/: فقط، لذلك لانندهش ان ابدت العلمانية البريطانية والصهيونية اسفهما لانهما لم تعتمدا اسلوب الابادة ذاته مع شعبي جنوب افريقيا وفلسطين٠

ان فكرة شعب الله المختار لم تنتجها وتحتكرها الصهيونية فقط، بل هي اصلا عميقا في مرئيات كل الاستعماريين وان اظهروا غير ذلك وادعوا سفها انهم محررين، وان علمانيتهم الميكافيلية تجيز لهم فعل اي منكر وحتى في شعوبهم، فغرف الغاز التي اعدت لحرق اليهود في المانيا في الحرب العالمية الثانية والتي هولت الصهيونية من ارقام الضحايا وجعلتهم بالملايين كذبا وافتراءا، كانت قد بنيت لغرض قتل المرضى المزمنين الالمان والعاجزين والمتقاعدين وطوال القامة واقزامها ومن ياكل ولاينتج، من اجل توفير الطعام لاجناده الذي يريد ان يغزو فيهم الكوكب٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٣١/٧/٢٠٢١