خديعة العلمانية نتيجة لسوء الطوية

حامد البياتي

عصبت رؤوسنا واصابتها بالصداع المركب، مصطلحات، بعضا منها تقاس اعمارها بالقرون واخرى بالعقود، واشهرها الديكتاتورية والليبرالية والشيوعية ( بابعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية ) والاشتراكية والاناركية ( الفوضوية واللاسلطة التي تهدف بحركيتها الى هدم الدولة وكسح هيبتها ) والقومية والديمقراطية و… وكلها تجتمع وتلتقي على ارضية قاسمها المشترك علماني، ومع ذلك حملت لنا صحائف التاريخ واخبار الواقع المعاصر، مستنقعات من الدم نتيجة للصراعات المهولة التي جرت فيما بينها، ومازالت، ولسوف تستمر الى ماشاء لها التنافر والتباغض والصدود٠

لاتستطيع المقالة بحث كل هذه المصطلحات والتوجهات وسنكتفي بأشهر واوسع اثنتين منها، ولنبدا بالشيوعية الذي مر على قيامها في روسيا اكثر من مئة عام، وقد سمت ثورتها بالبلشفية، وتمكنت من تشكيل الاتحاد السوفيتي الذي سقط في عام ١٩٩١م وتفككت وحداته امام ذهول وارتعاش الشيوعيين واصدقائهم في انحاء العالم، وذلك لعدة اسباب، احداها، انها خالفت الاصل الماركسي الذي يذهب الى ضرورة تطور الراسمالية تطور كبيرا كشرط لحصول الثورة الاشتراكية ( لانه يقسم العصور ضمن ماديته التاريخية الى الشيوعية الاولى والعبيد والاقطاع والراسمالية والاشتراكية ثم الشيوعية الثانية )، ولهذا وطبقا لهذا الاصل كان ينبغي ان ترى ثورتهم البلشفية النور في ( بريطانيا العظمى )، الا انها فقدت البوصلة والاتجاه، وظهرت في روسيا القيصرية الاقطاعية الاستبدادية، التي كانت تحل في المرتبة الحادية والخمسين في سلم التقييم الاقتصادي، مما دعى لينين وهو الماركسي الهوى والمشرب، ان يعترف بان روسيا هي بورجوازية صغيرة وليست ضخمة، ومع ذلك فانه اصر على الثورة، ولوى عنق ماركس ونظريته، في بلد يمثل الحلقة الرخوة في سلسلة النظام الراسمالي العالمي، وقد مارس لينين الذي ابرق وارعد وارغد وازبد بالديمقراطية، اقسى الفتك والوحشية ابتداءا برفاق دربه من امثال الفيلسوف ( الماركسي بليخانوف ) و ( كارل كاوتسكي المعروف بأبي الماركسية ) الذي انتقد لينين في عنفه وديكتاتوريته وعلى اثر ذلك اتهم هذا الرجل بالماركسي المرتد والتحريفي وصار عنوانا لكل من يخرج على الحزب بان ينعت بالكاوتسكي المرتد، وقد انتشر كتاب لينين بعنوان ( الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي ) انتشار النار في الهشيم لارعاب كل من تحدثه نفسه بمعارضته، واما مانالته الجماهير الروسية الرافضة له فحدث ولا حرج من حمامات دم ليس لها نظير حتى في دولة الرومان الوحشية في تقاليدها الهستيرية واعداماتها المرعبة٠

واما كارثة خداعه المسلمين فطعمها كالعلقم، فلينين كان يعلم بوطأة القياصرة والارثوذكسين عليهم، فمنهم بالوعود المعسولة في ممارسة حرياتهم ومعتقداهم وصيانة صلواتهم واعيادهم وتقالديهم لقاء تاييدهم لثورته، وحينما انتصر وعلا نجمه، امر جيشه الاحمر ان يشن هجوما عنيفا عليهم في تركستان وقرغيزستان وطاجيكستان واوزبكستان، ومنعهم من العبادة والصيام والحج والقران، واغلق المساجد وحولوها الى مخامر واسطبلات وصادر الاوقاف واغلق المحاكم الشرعية واحرق المصاحف ومنع الختان وحظر كل الشعائر الدينية٠

واما الليبرالية وادعاتها العريضة فيكذبها الواقع ويكشف خداعها، ففرنسا المتطاولة بدستورها العلماني، ضاق صدرها من الحجاب الشرعي ودخلت معه في معركة شعواء لخلعه في جامعاتها ومدراسها ومؤسساتها ودوائرها، وضاق صدرها ايضا من حرية الراي والتعبير، فما ان يعلو صوتا ناقدا لليهود والصهاينة حتى يتهم بانه معادي للسامية فتتولى المحاكم تجريمه ومقاضاته، واجهزه الاعلام مطاردته وتسقيطه، حتى يختار العزلة لنفسه ويصبح حليس داره ومنزله، وهو منزوع المال والعمل، ومطارد بالتعويض الثقيل الذي يحرج عليه تسديده، وكذلك نرى في الدول الاسكندفانية ذات الكمال الديمقراطي ! منعت احداهن ان يكون، للجالية المسلمة، مجزرة للحوم تتقيد باحكام الذبح، ومقبرة خاصة بها، وروضة للاطفال ناهيك عن مدرسة للابتدائية والمتوسطة والاعدادية، وفوق ذلك فرضت على نسائها اظهار اذانهن في صورهن لمنحهن جواز السفر٠

انه من الصعوبة بمكان ان لم يكن مستحيلا، ان يكون هناك تناغما بين التنظير والتطبيق، والقول والفعل، والعلمانية فشلت دون ذلك لانها تؤمن بالغاية التي تبررها الوسيلة، وقد حققها القران المجيد والائمة المعصومين سلام الله عليهم، فالقران يقول لا اكراه ( والهاء مفتوحة ) في الدين، وهذا يعني ان ( لا ) وهي نافية للجنس تنفي مطلق الكراهية والارغامية في اعتناقه او انكاره، وهي شبيهة بقول، لا اله ( الهاء مفتوحه ايضا ) الا الله، اي نفي مطلق للالهة الاخرى، واما التطبيق، فحينما جاءا الزبير وطلحة لطلب الاذن من الامام علي عليه السلام للذهاب للعمرة، فقال لهما، وايم الله مالعمرة تريدان وانما الغدرة تبغيان، ولم يمنعهما، وخرجا وقد ابطنا حربهما القذرة بمعية عائشة بنت ابي بكر على دولة الاسلام، وحينما ظفر بالناكثين، قال لها بعد ان قتل جملها وشيطانيها، ماانصفك الذين اخرجوك اذ صانوا حرائرهم وابرزوك٠

قال تعالى في كتابه الكريم ( فاما الزبد فيذهب جفاء )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٩/٧/٢٠٢١