الحكومات المدنية والدينية بين اللوعة والروعة

حامد البياتي

بمضض بالغ مازلنا نجتر ونستهلك كل ماتنتجه تروس وماكنات الغرب ومزارعه، من ثمار وحبوب وتقنيات وموديلات، ولكن مما لايمكن تحمله وارتضائه، ان نستهلك ايضا مرئياته وايدلوجياته ومنهجايته، وكاننا امة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار ولا من تراث٠

الحكومة المدنية او الليبرالية او الديمقراطية او العلمانية او غيرها من المصطلحات الرمادية الافعوانية اللعوب، التي تمكيج الحقيقة وتهرق عليها المزيد من المساحيق التجميلية لتسوقها لنا كمفردة ناعمة ومخملية، ظاهرها الرحمة وباطنها النفاق الشديد، وجوهرها، بعد رفع غلالة التعتيم الرقيقة عنها، تغريب للحياة بكل متونها وبنودها عن الدين ونحيه عنها ونحره على صخرة القوانين المادية التي وضعتها القريحة البشرية الجاحدة به والمحاربة له٠

قد نفهم سبب العداء الاوربي للسلطة الكنائسية التي حكمت بإسم الرب وذاقت رعاياها الويل والثبور وعظائم الامور، حتى سميت تلك العصور بالمظلمة، فانفجرت ضدها اعظم الثورات التحررية ثأرا منها، وقد حسرت سلطتها التي كانت مطلقة وحبستها داخل جدران الكنيسة وعلى كرسي الاعتراف الذي يتلوا من فوقه التائب بذنوبه وعصيانه ليغفر له القس ويدخله الجنة الذي يحمل طابو عرصاتها بيده٠

ولكن هذه الحكومات المدنية بكل ماسطرته من تبجحات وادعاءات لم تغير السياقات الفرعونية بل زادتها عتمة وظليمة، وانتجت مجازرا وحروبا عالمية اهلكت واعاقت وافقدت الملايين ومن ابناء جلدتها واقوامها ومذاهبها، وافنت الالاف من المدن والحقول والصناعات وكشرت عن انياب ذات اسلحة محرمة وجرثومية ونووية، ولذا فقدت البشرية من ابنائها اضعاف مضاعفة مافقدته على يد مقاصل الكنائس التي كانت تطن الرقاب غدوا وعشيا٠

وللاسف شملتنا هذه الحكومات المدنية الغربية بعنايتها الخاصة، فقبل ان تغادر بساطيرها المستعمرة ارضنا، صنعت على عينها نماذج محلية تدور في عروقها عمالة وذيلية لها، لتسودها علينا، فأحالت نهارنا ليلا، واحلامنا كوابيسا، ودولنا سجونا، حتى بتنا نحن للاحتلال ونفضله على نسخته الممسوخة التي فرضها علينا لما لاقينا على ايديها من عنت وقهر٠

ففرنسا وهي ام الحكومات المدنية واعلاها منارا وسقفا، ذبحت اكثر من مليون جزائري واشاعت رعبا هستيريا في شعبها، ولم تكتفي بذلك، بل قامت باجراء تجاربها النووية ولمدة عشرة سنوات في اراضيها وفي صحراء رقان تحديدا، وكانت ( ولانسانيتها المفرطة ) تاتي بالمعتلقين الجزائرين وتشكل منهم حلقات على مسافات متباعدة من موقع الانفجار النووي التي تقوم بتجربته لترى اثار اشعاعه المجنون عليها، وتالله انه لعمل سادي تأبى اكثر الضباع والسباع وحشية على الاتيان بمثله، وانه لعار عصب فرنسا من راسها حتى اصابع ارجلها لايمحى حتى يرث الله الارض٠
وحتى بعد الاستقلال الشكلي الذي منحته للجزائر، تدخلت بشكل متهور لااسقاط والغاء او انتخابات برلمانية تشريعية اجرتها الاحزاب المتعددة في عام ١٩٩١ لان الجبهة الاسلامية للانقاذ فازت فيها، فاندلعت اثر ذلك الحرب الاهلية التي سميت بالعشرة السوداء والذي راح ضحيتها الالاف بين قتيل ومفقود لم يعرف مصيرهم حتى الان، ولم تهدا عاصفتها الدموية الا بانتخاب عبد العزيز تفليقة كرئيس للبلاد في عام ١٩٩٩م٠

وفرنسا المدنية اليوم لاتختلف عن امسها، فحكومتها تمنع الحجاب وتحرمه في مدارسها وتكره البنات على خلعه، مما تضطر العوائل المتعففة بالنزوح ببناتهم الى بلجيكا لاكمال دراستهن فرارا منها ومن تماثيلها واقيوناتها التي نحتت بوحي من حريتها المدعاة، كما انها تشاطرت مع سويسرا في منع بناء الماذن في فضاءاتها، في حين تنزل باشد العذاب لمن يشكك ولو قليلا بكذبة الهولوكست فيتهم مباشرة بعدو السامية ويكون مصيره الطرد او السجن او المحاصرة والعزل٠

وما حصل في افريقيا المركزية ذات الحكومة المدنية من حرق للمسلمين، وما ببعيد عنا مااصاب مسلمي روهانكا على يد حكومة ميانمار الجمهورية المدنية الذي صنعت منهم مليون لاجئا فروا باارواحهم الى بنغلاديش، ولا يسعنا احصاءا للاخبار التي نجمت عن هذه الحكومات وجرائمها بحق الشعوب٠

وعلى النقيض تماما، فاجندة الحكومات الدينية ينبغي ان لاتحتكر التشريع وسن القوانين للاغلبية فقط وترغم الاقلية عليها، وانما تعطيهم حقوقهم غير منقوصة ودون منة او فضل، فالمنطقة التي يتواجد فيها طيف مذهبي او قومي تمنحها الحكم الذاتي وتفعل فيها شرائعهم الخاصة في الارث والنكاح والبيع والشراء والمنازعات والاوقاف والاطعمة والاشربة وماشابه ذلك، ويكون لهم حق التمثيل في البرلمان وضمن حجومهم لتحقيق ميزان العدالة والمساواة دستوريا، فقد قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وهو الاسلام الناطق: والله لو ثنيت لي الوسادة لقضيت بين اهل التوراة بتوراتهم وبين اهل الانجيل بانجيلهم وبين اهل الزبور بزبورهم وبين اهل القران بقرانهم٠

ان الاصوات التي رفعت عقيرتها في النداء للحكومة المدنية ورفض الدينية، والتي تكاثرت وخصوصا في هذه الايام الانتخابية، هي بمثابة حصان طروادة، من حيث تدري او لاتدري، لكل الصرعات المتشيطنة من مثلية جنسية وجوكرية وتشرينية تخريبية وبعثية واجندة ماوراء الحدود وكل شر لايريد بنا خيرا ولسان حاله يقول ألا دفنا دفنا دفنا٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( وليحكم اهل الانجيل بما انزل الله )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١٩/٦/٢٠٢١