حمارة القيظ هي الحقيقة ام الدولة العميقة

حامد البياتي

برز مصطلح الدولة العميقة او المتجذرة او الظل او دولة داخل دولة او الخفية او الموازية او التآمرية او قل ماشئت فلا مشاحة ولا منازعة في الالفاظ والتسميات في تركيا اولا، وفي تسعينيات القرن الماضي بالتحديد، وهي تعبير عن شبكة من العلاقات المتبادلة والمترابطة بين المؤسسات المالية والاعلامية واجهزة القوة الضاربة من عسكرية ومخابراتية وامنية وحتى قضائية، والتي اخذت على عاتقها حماية وحفظ، بيضة العلمانية، التي اقامها، كمال اتاتورك في عام ١٩٢٨بعد ان حذف من الدستور، جملة، دين الدولة هو الاسلام، على انقاض الامبراطورية العثمانية، وقد اسقطت حكومات عديدة خالفتها، منها حكومة عدنان مندرس وسليمان ديميريل والبرفسور نجم الدين اربكان الذي تجاهلها وادار لها ظهرها متوهما ان حزبه ( الرفاه ) سوف يعصمه منها وينجيه، ولكن تلميذه البراغماتي رجب طيب اوردغان زعيم حزب العدالة راى الصفعة المدوية التي نزلت على خد استاذه فحذق التجربه وشرب الدرس، فاقترب من العلمانيين وجنرالات الجيش ونافقهما سياسيا وجعلهما منصة ليخوض بهما معاركه الاجتماعية والانتخابية والبرلمانية، وما ان تمكن من السلطة حتى سلط سيفه على رقابهما وبدأ يدحرج رؤوسهما الكبيرة بالاعتقالات والاقالات وابقى من تملقه وعمل تحت قيادته، ولكن العلمانية، جمعت خيوطها وفلولها و فصائلها العسكرية الجوية والبرية لاسترداد عرشها المسلوب وقامت بمحاولتها الانقلابية الاخيرة على اوردغان في عام ٢٠١٦ م، وكاد انقلابيوها ان ينجحوا، لولا نزول الناس الى الشوارع في مظاهرات حاشدة قلبت الطاولة عليها، وقد انتهز اوردغان فرصته الذهبية بالانتصار وشرع باقتلاع مئات الالاف من انصارها المتخندقين بمختلف القطاعات، وفكك ماتسنى له من خلايا وبؤر وعصب موالية لها٠

تبلور مسمى، الدولة العميقة، في امريكا التي هي لقاح من وكالة الامن المركزي واللوبيات الصهيونية والسلطة الاقتصادية المالية في وول ستريت والسياسية في واشنطن وكارتلات الصناعات الثقيلة، ولكن مفاعيلها كانت دائرة وقبل عدة عقود، وقد اشتكى منها الرئيس ثيودور روزفلت وحذر من هيمنت شبكاتها المالية المتغولة على سياسة بلاده، ومازالت تعتبر المتورطة الاولى في اغتيال الرئيس الكاثوليكي كنيدي في ستينيات القرن الماضي لانه تحرش بالمفاعل النووي الاسرائيلي واراد تأخيره فصفعته برصاصها واردته قتيلا، كما ان ترامب الرئيس الاكثر اثارة للجدل والدراماتيكية اتهمها وعبر وابل تغريداته التويترية بانها كانت وراء خسارته في الانتخابات الرئاسية الاخيرة، وحتى الزعيم الالماني الاشهر بسمارك في القرن التاسع عشر تحدث عن وجود قوى غير مرئية تدير دفة العالم اطلق عليها ( جماعة مالايسبر غورها )٠

ويؤكد المؤرخون وقبل قرون، ان رجال الدين كانوا هم الدولة العميقة، اذ كانت قوتهم اكبر من قوة الملك، وكانت عروشهم يباركها البابا نفسه، لذلك كان هاجس نابليون بونابرت ان يزيحهم من امبراطوريته الاوربية ليحرر دولته من قهر قواهم الخفية٠

وقد ظهرت هذه الدولة في مصر وتمثلت برجال اعمالها وقواتها المسلحة التي اطاحت بالرئيس محمد مرسي في حراك شعبي، واصطفافاها مع السيسي في تتويجه زعيما لمصر لضمان مصالحها ونفوذها وكيانها، وكذلك كان لها وجود عسكري في كثير من دول الشرق الاوسط وافريقيا وامريكا اللاتينية٠

ان هجوم التحالف على العراق لم يثمر الا باطاحة القمة الطافية من البعث، وبقي معظم جسمه الاخطبوطي يموج في دولته العميقة والذي استطاع بخبثه المتشيطن، ومن خلال عناصر كثيرة، كخميس الخنجر والكربولي والنجيفي والالاف من العاملين في الخط الدبلوماسي والعسكري والاداري، ان يتحالف مع الكتل السياسية التي عرفت بدناءة هممها وضيق مرئياتها وجشع نفوسها والتي ضربت بعرض الجدار مصلحة المجتمع وحقوقه ومقابره الجماعية وارتال اليتامى والايامى والثكلى وضحايا العصف الارهابي الذي شق الوطن طولا وعرضا، لذلك فالبعثيون اليوم، تطفح بهم الوزارات والمؤسسات، ومستشاريهم يتقافزون كالقردة على مسارح رؤوساء القوى الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية٠

ان اعمق الفلاسفة تنادوا لصناعة المدينة الفاضلة وحرروا من لب قرائحهم نظريات وتصورات تمنهج لديمقرطتها وعدالتها، ولكن ( الدول العميقة المجرمة ) تنشط لخنقها والقضاء على برائتها، ومن المؤسف حقا، ان بعض الكتاب الذي لايعرفون اي طرفيهم اطول من الاخر، يصفون الدولة العميقة استهزاءا بحمارة القايلة الخرافية التي تخطف الاطفال وتاكلهم في اشتداد الحر واحتدامه، فهولاء مرتزقة وضمائرهم سكرى بخمرة السفارات والبترودولار وهم يهرفون بما لايعرفون ويدبجون مقالاتهم وهم لايفقهون٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( ان الشياطين ليوحون الى اوليائهم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٢٨/٥/٢٠٢١