قد تخرج الديكتاتورية من خاصرة الديموقراطية

حامد البياتي

تولت السياسة حسم الفارق بين الدولة والحكومة والنظام السياسي، وحددت فضاءات كل منها، فالاولى تتشكل من الشعب والاقليم الجغرافي والسلطة التي تحكم وتنظم العلاقات بين افرادها وبين بقية الدول من خلال اجنحتها، التشريعية، والقضائية، والتنفيذية ( الحكومة )، ضمن تراتبية هرمية، تكون ( الدولة ) هي الاشمل والاوسع بمؤسساتها، بينما ( التنفيذية الحكومية الوزارية ) اصغر جزء فيها٠
ثم هذه الدولة وبكل حجمها جزء من النظام السياسي الذي يضم بالاضافة اليها الاحزاب والنقابات المهنية وجميع النشاطات الانسانية والذي يقع على عاتقه رسم شكل الدولة وهويتها واتجاهها، لذا فالبلدان التي عصفت فيها القلاقل والاضطرابات عادة ماتكون بسببه، ففرنسا وبالرغم من تطورها وحضارتها وفتقها لابجدية الحرية، لم تستقر سياسيا طيلة حقبها المتعاقبة لخمسة جمهوريات لعوج في انظمتها السياسية حتى ثبت دستورها عام ١٩٥٨م، وما حصل ايضا في الحالة العراقية من انقلابات صنفها المؤرخون باعتبار انظمتها فعهد عبد الكريم قاسم الجمهورية الاولى، وفترة الطاغية البعثي الثانية، والحالية القائمة الثالثة٠

ان النظام السياسي، يكون على نوعين، اما فردي شمولي او جمعي ديمقراطي، فأولهما تتلاقفه مدارات ثلاثه، نظاما ملوكيا مطلقا يحكم رقبة الارض وماعليها، وطريقة وصوله للسلطة وراثية بامتياز، لمنبته في العرش، ولكي يضفي هالة مقدسه عليه يجمع اليه وعاظ السلاطين فيجعلونه طقس يمجد واله يعبد٠
وثايهما الاستبدادي، الذي يتمحور حول الحاكم العسكري، وما يفرضه من اطروحات وايدلوجيات ومرئيات على كل المؤسسات، وحتى يذر الرماد في العيون، يطرز سلطته المطلقة بمجلس، من المستشارين والبرلمانيين الصوري المكياجي ليخفف عمله التامري الانقلابي، في اغتصابه للسلطة، وجاعلا من الشعب رعية يهشها بعصاه، وغالبا ماينتهي هذا النظام بنفس الطريقة التي اتى بها، ومنطقتنا زاخرة بهذا اللون من الحكم٠

وثالثهما الديكتاتوري الذي يصل للحكم عن طريق الديمقراطية والانتخابات، فما ان يستقر فيه ويتذوق متعه وعسله، يبدأ بتحشيد الاضواء لحزبه والتشديد على الاخرين وايداعهم السجون، ومكمما للتعبير والتجمعات والمظاهرات، ويجمع كل الوطن في قبضته ويسخره لزعامته، فادلوف هتلر النازي وصل الى سدة الحكم عن طريق اللعبة الديمقراطية، ولكن كانت نوازعه الاستعمارية تخفق في صدره، فعبث في مشاعر الالمان وحرض فيهم غرائز القومية وعواطف العرق وطموحا ابقا بامتلاك العالم، فانهار به وبدولته على الرغم من شرعية الالية التي بلغ فيها المستشارية، وكذا الحال لموسوليني الفاشي في ايطاليا فقد سلك الدرب الديمقراطي، الا انه عسكر الشعب وادخله في هياج وانتفاخ القومي، وغرر بهم بحروب سهلة ومربحة فانقلبت عليه فاهلكته وقومه، ومما يميز هذا الحكم انه يزول بزوال الديكتاتور، وهذا ماحصل ايضا لطاغية العوجة الذي سقط فسقطت معه العصابة البعثية٠

ومما يلفت النظر، ولضرورة قصوى، اباحت بعض البرلمانات الاوربية هامشا لممارسة ديكتاتورية دستورية ومقننة لحفظ الامن وسيادة القانون، وهذا ماحصل في فرنسا حينما استقال شارل ديغول، وكانت تغلي داخليا بالمظاهرات اللاهبة بالاضافة الى المشاكل العصيبة التي تثار من قبل مستعمراتها، فطالبت ديغول بالرجوع للسلطة لمعالجة الوضع السياسي والاداري، فرفض الا في حالة اعطائه صلاحيات خاصة تتجاوز البرلمان البيروقراطي الذي يؤخر ويسوف ويعطل، القرارات الحكومية، فاذنت له طبقا للمادة ١٦ من دستور عام ١٩٥٨م، ومن الطبيعي ان هذه الحالة الطارئه لاتعطى الا ضمن مناخ من الوعي والسيطرة حيث يحسب لكل شاردة وواردة٠

في غفلة من الزمن استطاعت الطبقة السياسية في العراق التي شكلها بول بريمر من استلام الحكم انتخابيا بعد ان استغلت عطش الناس للانتخابات والتغيير، ومنته بالمن والسلوى، ولكنها ازدادت تشيطنا وتغولا بعد كل دورة رئاسية حتى تمكنت وبعد مرور مايقارب العقدين من تشكيل دولتها العميقة التي تمسك بكل الاوراق والمفاتيح التي تخولها البقاء في السلطة والثراء٠
انها دكتاتورية سافرة لايمكن تغطيتها بالمساحيق الديمقراطية وصور المرشحين وحفلات الانتخابات، وهي لاتقل سوء عن تلك التي تشهر السيف وتسفك الدماء وتيتم الاطفال وترمل اليتامى٠

قال تعالى في محكم كتابه المجيد ( ويل لكل افاك اثيم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٣٠/٤/٢٠٢١