بشارة الامصار في انكماش الدولار

حامد البياتي

مازلنا نسمع وكاننا في منتصف القرن الماضي مقولات، من مثل، ( اذا عطس الدولار فان العالم بأسره يصاب بالزكام وبنزلة برد حادة ) وانه مفتاح الحياة وانه سيد العملات ومرجعها الذي لاغنى لها عنه، وهي تسويقات واراجيف يطلقها، الامريكيون والمتأمركون وممن لاحيلة له سوى ان يربط عملته المحلية به، ليظهر كقوة اقتصادية ولو مصطنعة، ومحدثا نفسه ومغريها، باصطياد صفقات استثمارية، او فتح سياحي، او اعانات دولية قد تسد احدى شقوقه التي يطل منها الفقر بوجهه الاسود الكالح٠

منذ ولادته كان الدولار لعوبا ومهرجا ومنافقا، وقد وجد فرصته التي كان ينتظرها بشوق عارم في الحرب العالمية الثانية التي حرقت اليابس والاخضر في اورپا وخلفت من الخرائب حتى احتارت الغربان في ايها تنعق وتنوح وتنعي٠
ففي سنة ١٩٤٤ دعت الولايات المتحدة، التي حافظت على انفاسها وجهوزتها القوية، اكثر من ٤٤ دولة كسيحة ومطحونة بالحرب، الى مؤتمر في بريتون وودز وهي مدينة تقع في الساحل الشمالي الامريكي واعلنت عن مشروعها المارشالي المثير للجدل في اعادة اعمار اوربا، باعتبارها المنتصرة والثرية، ومن خلال الياتها وسلة غذائها وسيولة دولاراتها، وكان الاخطر في هذه اللعبة ( المؤتمر ) ان سومت المئة اوقية من الذهب بخمس وثلاثين دولارا فقط، وهكذا تحول الدولار الاخضر الى اطنان من الذهب حيز من هذه البلدان، ليستقر بدلال وملوكية، في بنوكها ومصارفها وبورصاتها، وخصوصا بعدما فقد الجنيه الاسترليني، والفرنك الفرنسي، والمارك الالماني، بريقه وهيبته، وخصوصا الاخير الذي كانت ملايين منه عاجزة على شراء بيضة واحدة٠

ان اول من فطن لهذه ( الجريمة ) هو الزعيم الفرنسي، ديغول، فأمر ان يبيع مابحوزة فرنسا من دولارات لشراء ذهبها المعتقل، فلما أحس بالتباطئ ارسل سفينته الملاحية الوحيدة ( كولدير ) في مسعى دبلوماسي ناعم، وبدلا من بوارجه الحربية، حتى لايثير ازمة، وتمكن من استرداد احتياطه الذهبي بعد شق الانفس، وقد تعرض في هذا السبيل، الى محاولتين لاغتياله والتخلص منه، دبرتمها المخابرات الامريكية٠

تكاثرت الدعوات المطالبة للدول بعودة ذهبها، مما دعى الرئيس الامريكي نيكسون في عام ١٩٧١ الى فك ارتباط الدولار بالذهب، وتعويم العملة الامريكية وجعلها خاضعة للعرض والطلب، فاستاء الاوربيون واليابانيون من هذه القرصنة الوقحة، ولكن وكما قيل ( ولات حين مندم ) فخسروا ذهبهم وربحوا ورقا يتم طباعته بالاطنان يوميا في وزارة الخزانة الامريكية والتي تسلمه الى البنك الفدرالي الامريكي والذي يقوم بتوريده الى البنوك المركزيةالرئيسية٠

لقد تعرضت الكثير من اقتصاديات الدول الى انهيارات بسبب ارتهانها للدولار وثقتها العمياء به، وانخفضت عملتها الى مستويات كارثية، كما حصل في مصر والسودان ولبنان وغيرها، وللاسف فان وزير المالية العراقية الذي نال شهادته من جامعة هارڤرد، لم يتعض من الدروس ويصر على تمريغ انف الاقتصاد العراق بمزيد من الانكماش، وكأن هناك عداوة مبيتة بينهما، وهو ماضي في طريقه لتعويم الدينار العراقي وعلى مراحل بعد ان خفض قيمته امام الدولار وبشكل صادم وبمستوى يقارب ٢٤/: مما سبب افلاس وارتعاش في السوق العراقية وتضخم في اسعار السلع التي غالبها مستورد ودون ان يطبع الاجواء بآليات فنية من قبيل صيانة الاسعار وتوفير مفردات البطاقة التموينية وانعاش المنتج الزراعي والصناعي والسياحي والخدمي ضمن سياسة التدرج، للحفاظ وكما يدعي على العملة الصعبة وعدم تهريبها للخارج لقلة اثمانها امام الدينار٠

لله در الشعوب التي كانت تحافظ على ثرواتها ولم تعرضها للتعويم المغامر ودون ان تتلقى دروسا في الاقتصاد في جامعات امريكا، فقد احتفظت الذاكرة التاريخية بمعاملات في البيع والشراء، من خلال استبدال السلع تعويضا باخرى، ثم سلعة وسطى، محورية، للتبادل مثل الملح، ثم نقدا كالغنم وبقية الحيوانات والاسماك المملحة، ثم المعادن كالنحاس، ثم الذهب والفضة اللذان لايفسدان ولايصدئان ، ثم عمدوا الى ضرب، السكة، ضمن وزن ونقاء محدد كما في اليونان فالذهبية منها تسمى دينارا والفضية دراخما التي عربت فيما بعد الى الدرهم، واما الصين فقفزت نوعيا حينما اصدرت جلودا ممهورة (چاو ) بتواقيع الدولة كضمان نقدي، وشاع استعمالها حتى حملوها المغول معهم في اجتياحهم للبلدان ولكنهم اصطدموا مع الايرانيين الذين رفضوها حرصا على ذهبهم واحجارهم الكريمة من ان تقايض بجلودا ولو كانت رسمية وموثقة، والتي تحولت فيما بعد وعلى يد سلالة ايوان الى ورق نقدي وسميت باسمها ( ايوان ) والذي بقي ليومنا الحاضر، ثم تم اختراع النوط الورقية المالية بعد الثورة الفرنسية التي كتب لها الانتشار العالمي٠

يبدو ان وزيرنا مازال غافيا على وسادة الدولار والقطب الواحد، وغافلا عن الكتل والمحاور والاحلاف التي شكلت حجوما وارقاما كبيرة تقارع بتنافسية وندية، وبعملتها المحلية، الغول الراسمالي الذي اخذ يتآكل ويأفل نجمه وعصرنا لايحب الآفلين٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي اكل خمط واثل )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١٩/٤/٢٠٢١