الخبر اليقين في موسم الهجرة للصين

حامد البياتي

الخبر اليقين في موسم الهجرة للصين

حامد البياتي*

عاملان فاعلان واستراتيجيان جعلا من اورپا قوة ضاربة ومتوغلة ومستعمرة، اولهما اختراع الاسلحة النارية من مسدسات وبنادق ومدافع، بالرغم من ان البارود والصواريخ الصغيرة وبعض الالعاب النارية كانت صناعة صينية اصلا، وموجودة في المناطق الاسلامية ابان العصر الاسلامي الزاهر الذي استورد المنتجات والمخترعات والفنون والاسفار العلمية والادبية والتاريخية من بقية الحواضر الرائدة، والتي تم سرقتها وحملها الى اورپا في فترة الحروب الصليبية التي شنتها المسيحية الحاقدة والجشعة على الشام عامة وفلسطين خاصة، والتي اجرت عليها تطويرا وتحسينا في تقنيتها، حتى صنعوا ماضاعف بأسهم وشوكتهم، كمدافع قاصفة ومدوية، منها ثابتة في خنادقها او محمولة في سفنهم الشراعية ومن ثم البخارية الجريئة التي كانت تذرع البحار وتنزل بالهزائم لمن يعصي امرها ولم يستجيب لمشيئتها٠

ولكن وتزامنا مع نهايات الحروب الصليبية ظهرت فتنة المغول والتتار، كتسوماني كاسح، يقلع اعصاره الارض وماعليها، فابتدا باسقاط الامبراطورية الصينية العملاقة التي تأسست منذ عام ٢٠٧٠ قبل الميلاد، والتي كانت تمتد على منغوليا ومنشوريا وكوريا وفيتنام ولاوس والتبت وتركستان، واطاح ايضا بالامبراطورية الفارسية، وغلب على شرق اورپا وعلى شمال بحر قزوين، وقضم لقمة دسمة من جغرافية الامبراطورية الروسية، مما سبب في ضعف امبراطوريات الشرق عامة واختفاء بعضها، بينما كانت اوربا تتلمس طريق نهوضها بمفاعيل التراث الشرقي الخصيب، وبخلاصة موجزة، ان الشرقيين رقدوا والغربيين استفاقوا٠

واما الثاني، فهو اكتشاف القارة الجديدة ( امريكا ) من قبل كولمبس الذي كان يبحث عن طريق بحري مختصر الى الهند، فتدفق الاوربيون اليها وهرسوا الهنود الحمر وغرفوا من ثرواتها البكر واستثمروها في اورپا التي توجتها بثورتها الصناعية العظمى التي فتحت الشهية للاستيلاء على العالم٠

كانت الصين تصدر الشاي الى انگلترا التي تعشقه وتقايضه بالفضة التي قلت منابعها بمرور الايام عند البريطانيين الذين ظنوا بها وبخلوا من انفاقها كعادتهم، فاهتدوا لخطة ماكرة وقاتلة، اذ اوعزوا للهند مستعمرتهم التقليدية، بزرع مساحات ممتدة للخشخاش الذي يستخلص منه الافيون الذي روجوا له وفتحوا اسواقه في الصين بيعا وشراءا وبكميات واعدة، حتى ادمن الصينيون عليه وباتوا اسارى وعبيدا له، فترهل نشاطهم وتخاذل انتاجهم، فأصدرت الدولة الصينية حظرا شديدا على استعماله ووعدت بالويل والثبور لمن يتعاطاه، فخسرت انگلترا، واعلنت ماسمي بحرب الافيون الاولى عام ١٨٤٠ واستولت على الموانئ الصينية الرئيسة، ووقعوا معاهدة نانجينغ ولمدة ١٠٠ عام والتي جاء ببنودها انتزاع هونغ كونغ وخمسة موانئ ورفع الكمارك عن البضائع البريطانية التي تفرضها على الصين وخصوصا الافيون، كما انه لايحق للصين محاكمة اي بريطاني يخل بنظامها ويعتدي على قوانينها وانما يتولى ذلك ممثل الحكومة البريطانية الذي غالبا مايتعاطف مع الجاني ويحيطه بالحصانه ويطلق سراحه٠

وضعت الصين اولى خطواتها النوعية في عام ١٩١٢م بتشكيل جمهوريتها الشعبية الحديثة بيد القائد السياسي والمنظر الثوري سون يات سين بعد الاطاحة باسرة تشينج الفاسدة التي حكمت منذ عام ١٦٤٤م، ثم تولى ماو تسي تونغ بعد الحرب العالمية الثانية زعامة الصين مستلهما من الاتحاد السوفيتي الطريقة الشيوعية في ادارة البلاد، وتدرجت الصين في صعودها شجرة التطور والمنافسة والانتاج، حتى يمكننا القول وبلسان قاطع اننا في العصر الصيني رغم الكيد الغربي ومحاولة ارعابها واثارة الفتن في وجهها، ولكنها ماضية في تحقيق ميزانها التجاري وفيضها الانتاجي واستثماراتها الترليونية في شرق الكوكب وغربه، وخصوصا مشروعها العتيد الحزام والطريق٠

مايلفت النظر ادعاء بعض المراقبين والمفكرين، ان الصين هي الوجه الثاني لعملة الاستعمار، وان الانفتاح اليها والتعاطي معها وفتح الابواب بوجهها هو مصداق قول الشاعر عمرو بن الحارث، المستجير بعمرو عند كربته، كالمستجير من الرمضاء بالنار٠
وهذا خبط من الخيال والوهم والعدائية، فالصين في تاريخها الحديث لم تمد مخلبا استعماريا او احتلاليا لاي بلد وانما تصر على استرداد مااستقطع منها كالتبت وهونغ كونغ وتركستان ( شينجيانغ )٠
لاننكر ان مايهم الصين وكأي دولة هو محفظتها، ونهر ابداعها الذي لايجف، وعلاقاتها حتى مع اسرائيل التي تميزت في السنوات الاخيرة وتعمقت وذلك بفضل النظام العربي الرسمي الذي ادار ظهره للقضية الفلسطينية وغرق في مستنقع التطبيع وشرنقة الصهينة، ولكن الصين لم تقطع البحار لتعتدي على حرمات الاخرين كما فعل نابليون بونابرت في مصر وفرنسا في الشمال الافريقي وبريطانيا في الشرق الاوسط والادنى والاقصى وامريكا في فيتنام وكوريا واليابان والعراق وفي عديد البلدان التي تركت فيها ارهابا وخرابا وقاعا صفصفا لاترى فيه عوجا ولا امتا٠

قال تعالى في كتابه المبين ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١١/٤/٢٠٢١