انسحاب أمريكا من فيتنام… انسحاب الضرورة لا السلام

من غير المستغرب أن تكون حرب فيتنام هي الأكثر دراسة في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ إنّ الأدبيات الهائلة التي تناولت الحرب ترتبط بشكل مباشر بالفشل الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأمريكية

من غير المستغرب أن تكون حرب فيتنام هي الأكثر دراسة في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ إنّ الأدبيات الهائلة التي تناولت الحرب ترتبط بشكل مباشر بالفشل الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها فرنسا، في تحقيق الأهداف السياسية المنشودة من الحرب. وفي الجهة المقابلة، شكّلت هذه الحرب نموذجاً حياً لثوار جنوب العالم من جميع التيارات السياسية والأيديولوجية، ودرساً ناجعاً لخصمٍ  ضعيفٍ   يواجه جبروت إمبراطورية عظمى ويخرج منتصراً.

في مثل هذا اليوم، 29 مارس 1973 انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من فيتنام بعد أن فقدت نحو 50000 من جنودها بعد حرب استمرت لسنوات تأثرت فيها فيتنام بشكل كبير اقتصاديا وخسارة الآلاف من جنودها.

وقامت أمريكا بغزو بعض الدول رغبة في استغلال ثرواتها، هذا ما حدث في فيتنام عام 1955، حيث قام الجيش الأمريكي باحتلال دولة فيتنام، وتم تقسيمها إلى فيتنام الشمالية وجيشها المعارض للاحتلال الأمريكي، وفيتنام الجنوبية التي رحبت بوجود الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت عونًا لها في الحرب، وفي الواقع لم تقف “فيتنام الشمالية” مكتوفة الأيدي، بل تلقى جيشها دعما من الاتحاد السوفييتي والصين، وظل يقاوم الاحتلال لما يقرب من 20 عاما.

حرب فيتنام تُعد حرب فيتنام من أحداث الحرب الباردة التي ظلت قائمةً بين الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية والاتحاد السوفييتي، والتي انتهتْ بِتفكك الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وقد اتّسمت تلك الحرب بتعدّد أطرافِ الصراع الذي نَشَبَ بين شمال وجنوب فيتنام، وانتهت بالوحدة بينهما في عام 1975 بعد صراع استمرّ لمدة تسعة عشر عاماً.

أسباب حرب فيتنام الصراع التاريخي

كانت فيتنام محتلةً من قبل القوات اليابانية إبان الحرب العالمية الثانية، وكانت تُسمّى بالهند الصينية في ذلك الوقت، ومع اقتراب نهايةِ الحرب وهزيمة اليابان عسكرياً بادر الحزب الشيوعي الفيتنامي بالاستيلاء على العاصمة هانوي، وإجبار الإمبراطور الفيتنامي على ترك الحكم. هذا الأمر أغرى فرنسا لاستعادة مستعمرة الهند الصينية التي كانت تابعةً لها في السابق قبل أنْ تنتزعها اليابان منها، فحاولت السيطرة على البلاد في عام 1945م، الأمر الذي أشعل الحرب بين الفيتناميين بقيادة (هو شي منه) زعيم الحزب الشيوعي، والفرنسيين، وذلك لِمدّة ثماني سنوات، انتهت بتوقيع معاهدة سلام في سويسرا، نَصّت على تقسيمٍ مُؤقتٍ لِفيتنام على أنْ يَتمّ الاستفتاء على الوحدة بين الشّمال والجنوب بعد عامين من توقيع الاتفاق.

ظهور الأزمة

التزمت حكومة فيتنام الشماليّة باتفاقية السلام الموقعة عام 1954م، بينما قرّرت الولايات المتحدة التي كانت تَخشى امتداد النفوذ الشيوعي في العالم مُساعدة حكومة فيتنام الجنوبية، وعلى ذلك بدأت المساعدات الأمريكيّة المالية والعسكرية تَتدفق على سايغون عاصمة جنوب فيتنام، من أجل تدريب الجنود وتنظيم الأمور، بحيث تمنع الوحدة بين الشمال والجنوب. على الجانب الآخر كانت حكومة هانوي الشيوعية تَتَلقى الدّعم العسكري والتدريب من الاتحاد السوفييتي والصين، والدّعم السياسي لتوحيد البلاد، وقد قامت بدعمِ الثوارالشيوعيين في الجنوب للقيام بعملياتِ مقاومةِ الوجود الأمريكي انطلاقاً من الحدود الشمالية، الأمر الذي كان يَعني خرق المعاهدة والحدود الموضوعة بينهما، واستمرّ ذلك الوضع حتى عام 1959. ا

اشتعال الصراع

أسس الثوار الشيوعيون في الجنوب مُنظمةً ثوريةً عُرفتْ بالفيت كونغ، التي أصبحت في عام 1960 جبهة التحرير الوطني، لتصبح تنظيماً سياسياً وعسكرياً متكاملاً هَدفه مُقاومة الوجود الأمريكي على الأراضي الفيتنامية، وإسقاط حكومة سايغون الموالية للغرب، وهذا دفع حكومة الجنوب إلى إعلان حالة الطوارئ، خاصةً بعد أنْ أعلنَ الحزب الشيوعي الفيتنامي المدعوم من الاتحاد السوفيتي في الشمال دَعمَ جبهة التحرير الوطني، وزوّدوهم بالدّعم اللازم لتحقيق أهدافهم الثورية. أعلنت الولايات المتحدة الدّعم التام لِحكومة سايغون، وبدأت القوات الأمريكية في التدفق على جنوب فيتنام منذ عام 1961، لِيصبح مجموعُ القوات بحلول عام 1963 أكثر من ستة عشر ألف ضابطاً ومجنداً، وهي الفترة التي تلاها اشتعال الحرب بصفةٍ رسمية.

الاتفاق بين فيتنام الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية

خلال المفاوضات بين فيتنام الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية، أمر الرئيس نيكسون في السابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر عام 1972 بشن غارات على عاصمة فيتنام الشمالية هانوي ومدينة هايبونغ، فخسرت الولايات المتحدة الأمريكية خمس عشرة طائرة، إضافةً لفقدان ثلاثة وتسعين ضابطاً من سلاح الطيران الأمريكي، فأمر الرئيس الأمريكي القوات الأمريكية بوقف قصف فيتنام الشمالية في الخامس عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 1973.

وفي الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير عام 1973 وقعت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاق وقف إطلاق النار مع فيتنام الشمالية، فدخل الاتفاق حيز التنفيذ في الثامن والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير عام 1973، وتضمن:

توقف جميع أنواع العمليات العدائية.

انسحاب القوات الأميركية المتبقية من جنوب فيتنام خلال شهرين، وإطلاق سراح الأسرى من الطرفين خلال 15 يوماً من التوقيع.

الاعتراف بالمنطقة منزوعة السلاح بين الشطرين على أنها مؤقتة وليست حدوداً سياسية.

إنشاء لجنة دولية (مكونة من ممثلين عن كندا والمجر وإندونيسيا وبولندا) مكلفة بمراقبة تطبيق الاتفاق.

بقاء 145 ألف جندي من شمال فيتنام في الجنوب.

وفي شهر آذار/مارس عام 1973 انسحب آخر جندي أمريكي من فيتنام، ومع استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون بسبب فضيحة ووترغيت في التاسع من شهر آب/أغسطس عام 1974 شنت فيتنام الشمالية هجوماً على فيتنام الجنوبية، ودخلوا العاصمة سايغون في الثلاثين من شهر نيسان/أبريل عام 1975، معلنين توحيد شطري فيتنام في دولة واحدة.

“حقائق عن حرب الفيتنام”، عنوان ملف أعده موقع “War on The Rocks” الأمريكي، يفند فيه أكاذيب البروباغندا الأمريكية والمزاعم الرائجة حول الحرب التي عرفت فيها الولايات المتحدة خسرانًا بينًا، حتى بات يُضرب بها المثل على كيفية انكسار الغطرسة الأمريكية. في السطور التالية نقدم لكم أبرز ما جاء في الملف مترجمًا بتصرف.

أسطورة ضبط النفس الأمريكية في فيتنام

في الحرب الفيتنامية، ثمة أسطورة رائجة في الولايات المتحدة الأمريكية، تقول إن القوات الأمريكية خاضت الحرب وأيديها “مقيدة”، إشارة إلى ضبط النفس والتحوط في استخدام القوة العسكرية الأمريكية بأقصى حدودها. ويعتقد أنصار هذا الاعتقاد أن الولايات المتحدة فشلت في الفوز في فيتنام، لأنها لم تستخدم ما يكفي من قوتها العسكرية، ولكن على أولئك الذين يصدقون هذا الرأي أن يتذكروا بعض الإحصاءات التي تنفي هذه الأسطورة.

خلال حرب فيتنام، أسقطت الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا ما يعادل ضعف الأطنان من القذائف التي استخدمتها قوات الحلفاء ضد كل من ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية. وبين عامي 1964 و1973، ألقت الطائرات الأمريكية أكثر من سبعة ملايين طن من القنابل في فيتنام ولاوس وكمبوديا، مقارنة بـ3.4 مليون طن ألقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها مجتمعين في الحرب العالمية الثانية.

كانت هناك قيود على بعض الأهداف، وخاصة في مناطق فيتنام الشمالية القريبة من الصين، حيث كان القادة الأمريكيون قلقين من أن الضربات الجوية الأمريكية قد تثير ردًا من الصين. ولكن ذلك لا يُغيّر من حقيقة أن الحملة الجوية الأمريكية في حرب فيتنام، كانت من بين الأعنف في تاريخ الحروب.

كما استخدمت القوات الأمريكية كميات كبيرة من الذخائر في الحرب البرية أيضًا، على مستوى وصفته القيادة اللوجستية للجيش في إحدى الدراسات، بأنها “قوة نيران تقليدية مدمرة لا مثيل لها في التاريخ العسكري”. وقد أشار مؤلفو الدراسة إلى أن القادة الأمريكيين لم يواجهوا عمليًا أي حدود لنقل القوات والذخائر والإمدادات، مُضيفين: “لقد تميز المشهد اللوجستي بإمدادات غير محدودة تقريبًا، ومعدلات استعداد تشغيلية عالية بصورة ملحوظة كما هو مطبق على المعدات، وتدفق لا نهاية له من الذخائر والبترول والحصانة من القيود المالية الخارجية”.

حجم تلك الموارد يصبح أكثر إثارة للدهشة عند مقارنته مع موارد الجانب الآخر، ففي معظم فترة تدخل الولايات المتحدة، استخدم الأمريكيون ومعهم الفيتناميون الجنوبيون ذخائر جوية وأرضية بنسبة أعلى عدة أضعاف من الجانب الشيوعي، فعلى سبيل المثال، تشير سجلات البنتاغون لعام 1969، إلى أن القوات الأمريكية استخدمت ما يقرب من 130 ألف طن من الذخيرة شهريًا، ثلاثة أخماسها عن طريق الجو والباقي من الأرض. وعلى سبيل المثال، فإن أعلى استخدام ذخيرة للشيوعيين، كان ألف طن شهريًا، ولم يصلوا لهذا المعدل حتى عام 1972.

هذا التفوق الساحق في القوة النارية والقدرة اللوجستية يجعل من الصعب القول بأن الأمريكيين كانوا سيفوزون في الحرب لو أنهم استخدموا كامل قوتهم العسكرية زيادة على ما كانوا يفعلونه أصلًا في فيتنام. والنتيجة الأكثر منطقية هي أن النمط الأمريكي من الحرب لم يكن ليستطيع الفوز بتلك الحرب، فلو كان ذلك ممكنًا، لكانوا قد فازوا بالفعل.

حرب فيتنام من الداخل الأمريكي

في الذاكرة الشعبية الأمريكية، عادة ما يقول البعض أن “حرب فيتنام انتهت من الداخل”، ويقصدون بذلك أن احتجاجات النشطاء الأمريكيين المعارضين للحرب نجحت في تحويل رأي الجمهور ضدها، ما أجبر الحكومة على عكس مسارها والبدء في سحب القوات الأمريكية”.

إلا أن هذه السردية ليست إلا محض خرافة، لدى كلا الطرفين؛ فمعارضو الحرب يعتقدون أنهم قد أفلحوا بالتأثير بقضية ذات أهمية كبيرة، أما مؤيدو الحرب من جانب آخر فيروجون وفق هذه السردية أن حكومتهم قد نزلت عند رغبة أولئك الشباب الجامعيين الذي أشعلوا الاحتجاجات في جامعاتهم، وأنهم هم الذين منعوا تحقق الفوز بحرب مبررة من وجهة نظرهم.

وفي مقابل ذلك كله، نجد أن التاريخ يروي قصة مختلفة عن تحوّل أمريكا من التصعيد إلى فك الاشتباك ووقف إطلاق النار.

في شباط/ فبراير وآذار/مارس من عام 1968، عندما اندلع هجوم “تيت” في فيتنام، وهو هجوم شنه الثوار الفيتناميون المنتمون للجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام المسماة “الفيت كونج”؛ تلقى ليندون جونسون الرئيس الأمريكي بين عامي 1963 و1969، رسالتين مهمتين، إحداهما جلية، والأخرى سرية، تضغطان عليه لإعادة التفكير في سياسته الحربية.

جاءت الرسالة الجلية من خلال النتائج الأساسية للانتخابات الرئاسية في نيو هامبشاير، حيث قدم الناخبون دعمًا غير متوقعٍ للسيناتور يوجين مكارثي (على الرغم من عدم انتصاره) وهو السيناتور الذي شن حملةً ضد الحرب. وكانت تلك الرسالة الخاصة السرية من مجموعة من أعضاء الميثاق في مؤسسة الحرب الباردة، وهم وزير الدفاع كلارك كليفورد، ووزير الخارجية السابق دين أتشيسون، والسياسي الأمريكي أفريل هاريمان، والمتقاعدين جنرالات الحرب العالمية الثانية عمر برادلي وماثيو ريدجواي، وغيرهم، ممن كان يُطلق عليهم “الحكماء”، والذين قالوا لجونسون، إن الحصول على نتيجة مرضية في فيتنام، هو بمثابة “أمل بعيد المنال”، وأنه من خلال الاستمرار في تلك الحرب فإنه سوف “يؤذي المصالح الأمريكية الكبرى في العالم”.

وكلتا الرسالتين أشارتا إلى نفس الأمر، وهو ضرورة الدعوة للسلام من خلال انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام، وعليه يُصبح تضليلًا منح النشطاء المناهضين للحرب الفضل في أيّ من أسباب هاتين الرسالتين.

في نيو هامبشاير، وعلى الرغم من أن حملة مكارثي تم تعريفها على أنها حركة مناهضة للحرب بقوة، إلا أن عددًا كبيرًا من ناخبيه كانوا يدعمون فعليًا المزيد من العمل العسكري، وليس العكس. وجاءت أصواتهم بمثابة احتجاجٍ على سلوك جونسون في الحرب، وليس ضد مبرراتها الأخلاقية أو الاستراتيجية. وكانوا يقولون للرئيس: “الفوز أو الخروج” أي من فيتنام، وهي رسالة مختلفة تمامًا عن تلك التي رفعها المتظاهرون المطالبون “بالخروج” غير المشروط.

في الوقت نفسه، كان “الحكماء” قد خلصوا إلى أن الفوز في تلك الحرب يُعد هدفًا لا يمكن تحقيقه. وربما كان انخفاض التأييد الشعبي للحرب أيضًا عاملًا في تغيير رأيهم. ولكن هذا لا يعني أن رجالًا مثل كليفورد وأتشيسون وبرادلي قد تحولوا من كونهم صقورًا إلى حمائم، بتأثير المتظاهرين الذين يهتفون بالشعارات داخل حرم الجامعات.

في اجتماع مع جونسون بعد أسبوعين من بداية نيو هامبشاير، أيد جميع أعضاء مؤسسة الحرب الباردة الـ14، باستثناء ثلاثة منهم، نصيحة وزير الخارجية دين أتشيسون للرئيس، بأنّه “لم يعد بإمكاننا القيام بالمهمة التي حددناها في ذلك الوقت، يجب علينا الآن أن نبدأ باتخاذ خطوات لفض الاشتباك”.

ويتفق المؤرخون على أن الاجتماع كان لحظة حاسمة في تحول جونسون من التصعيد إلى فك الاشتباك وإنهاء الحرب. وبعد أقل من أسبوع، أعلن في أحد أكثر الخطابات الرئاسية المثيرة في التاريخ، عن وقف جزئي للقصف الأمريكي في فيتنام الشمالية، داعيًا إلى مفاوضات سلام فورية، ومنهيًا في نفس الوقت حملته لإعادة انتخابه. ومنذ ذلك الحين، سعى قادة الولايات المتحدة ببطء، ولكن دون انحراف كبير عن المسار، لإيجاد وسيلة للخروج من مستنقع فيتنام. وصحيح أن حركة السلام قد لعبت دورًا في تغيير هذا الاتجاه، ولكن خلافًا للأسطورة الشعبية، لم يكن ذلك هو السبب الحاسم لإنهاء حرب أمريكا في فيتنام.

استمرت الحرب على مدى أكثر من عشرة آلاف يوم، نالت فيتنام بعدها حريتها من الاستعمار الفرنسي، وأعادت توحيد طرفيها في دولة واحدة، مُسقِطَةً بذلك المشروع الأمريكي؛ الذي هدف إلى الإبقاء على فيتنام الجنوبية دولة تابعة وقابلة للحياة في قلب الهند الصينية. وقد أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من ثمانية وخمسين ألف جندي أمريكي وما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين فيتنامي.

وكان للتجربة الأمريكية في فيتنام أثرٌ  عميقٌ  على النهج الأمريكي في الحرب، وعلى ثقة النفس الأمريكية في فعاليتها وقدرتها على استخدام قوتها العسكرية لتحقيق أهداف سياسية وفرض نتائج سياسية تناسبها. كما أصبحت التجربة الأمريكية في فيتنام متلازمة نفسية (Vietnam Syndrome)، ما تزال حتى اليوم تؤرق صانع القرار الأمريكي، وتؤثر في منحى القرارات المتعلقة بدخول حروب جديدة أو الامتناع عنها.

تعددت النظريات التي تناولت أسباب الفشل الأمريكي في فيتنام وعجز الولايات المتحدة عن تحقيق أهدافها السياسية المنشودة من احتواء الشيوعية في جنوب شرق آسيا (الهند الصينية). تختلف  تلك النظريات من حيث نوع العوامل التي يتم تناولها باعتبارها أسباباً للفشل الأمريكي، إذ تفيد بعضها بأن الحرب كانت “خاسرة” منذ البداية، مرتكزةً أساساً على ضعف فيتنام الجنوبية اجتماعياً وسياسياً وعدم قدرة النخبة الحاكمة هناك على إرساء ميثاق اجتماعي فعّال، فيما تتناول نظريات أخرى القصور الجيوستراتيجي والبيروقراطي والتكتيكي لدى القوات الأميركية، ما قوّض الحرب من بدايتها وجعل منها معركة أمريكية خاسرة.

هناك رأي ثانٍ له نفس القدر من الأهمية يُحمِّل التدرج الأمريكي، والارتباك الاستراتيجي، والاستخدام غير الفعال للقوات الجوية جنباً إلى جنب مع أوجه القصور التكتيكية والعملياتية كسبب رئيسي للفشل. بل ترى تلك النظريات أن نتائج الحرب هي محصلة أخطاء بشرية ارتكبتها قيادة مدنية وجيش مطيع يفتقر إلى الأدوات اللازمة لخوض حرب أرضية وجوية في أدغال الهند الصينية.

ويحيل آخرون أسباب الفشل لنظرية الطعن في الظهر، من خلال تسليط الضوء على الرفض الاجتماعي والإعلامي الذي رافق الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية. من الواضح أن هذه الحجج ليست بعيدة عن السياق السياسي الذي تشكلت فيه؛ أي أن تفسيرات فشل الحرب تنبع بالضرورة من صراعات سياسية وبيروقراطية تُجيّر أسباب الهزيمة بما يخدم مصالحها البيروقراطية والسياسية في  داخل أركان السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ماذا تبقى لنا من حرب فيتنام؟

بعد واحد وأربعين عاماً على حرب فيتنام، وقف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بجانب تمثال للقائد الثوري هو تشي منه وأعلن فتح ترسانة الولايات المتحدة الأمريكية من الأسلحة لحليفها الجديد والصاعد في الهند الصينية. أن يقف رئيس أمريكا بجانب هو تشي منه يدل على أن أعداء الماضي أضحوا أصدقاء اليوم، وأن المعادلة الجيوستراتيجية في بحر الصين الجنوبي فرضت نفسها على فرقاء الأمس، المتوافقين على احتواء نفوذ الصين المتصاعد. بل يشكل رفع الحظر عن توريد الأسلحة الأمريكية نقلة نوعية في العلاقات الفيتنامية-الأمريكية يضعها في مسار جديد مختلف ومنقطع عن الملحمة العسكرية التي وضعت البلدين أمام مواجهة عسكرية وسياسية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

يفرض هذا الانقطاع عن الماضي سؤالاً مهماً، ماذا يبقى لنا من حرب فيتنام وتجربتها الثورية؟ كيف لنا أن نموضع انتهاء حالة العداء السياسي ما بين الولايات المتحدة وفيتنام والتقائهما في محاولة احتواء القوة الصينية أمام التطلعات الثورية الأممية التي رافقت حركات التحرر في العالم الثالث؟ لربما ما تبقى هو حرب الإرادة، الملحمة السياسية والعسكرية التي جسدها شعب فيتنام أمام أكبر ترسانة عسكرية في تاريخ الأمم، مضحياً بأكثر من ثلاثة ملايين فيتنامي في سبيل الحفاظ على فيتنام موحدة ذات سيادة على كامل ترابها.

لربما ما تبقى من حرب فيتنام هو الدرس القاسي في التعامل مع العملاء، وفي عدم التراخي مع القريب (بني الجلدة)، قبل الغريب. ولربما الأهم من ذلك كله أن فيتنام شكلت نموذجاً في العمل السياسي والعسكري المترابط والمتسق مع الطبيعة الثقافية للمجتمع الفيتنامي، والتي ما زالت تشكل اليوم رؤية واقعية وإمكانية الانتصار في الحروب اللامتكافئة في مواجهة أعتى القوى السياسية العالمية والامبريالية. بمعنى آخر، تبقى هي النموذج.

المنابع:صحف ومواقع

المصدر: النهایة