الاطماع والنرجسية الغبية لقاح الحرب الاهلية

حامد البياتي

لايبالوا وان انقضت عرى الدين، عروة عروة، في سبيل تحقيق اطماعهم وشهواتهم التي التهبت في نفوسهم الامارة بالشيطنة للفوز في اشهر ولايتين واعظمهما مالا واستراتيجية، فالزبير بن العوام كان يريد البصرة، وطلحة بن عبيد الله كانت نفسه تهوى الكوفة، وحينما رفض طلبهما امير المؤمنين سلام الله عليه، اشعلا برفقة امهما عائشة الكائدة للامام دوما، اول الحروب الاهلية في صدر الاسلام، وراح ضحيتها مايقرب العشرين الف قتيل، ومن ضمنهم لواقح فتنتها٠
وبعد ان كسرت تابوهات حرمة الدم والخلافة والامامة، توالت المعارك الاهلية، كصفين التي اذكاها الموتور الاموي معاوية بن ابي سفيان وقد اكلت اكثر من ثمانين الفا، ثم النهروان، ثم الحجاج، ثم الزبيرين، ثم العباسين، ثم العثمانيين وحتى يومنا هذا، فما زال اصحاب المصالح والاجندات والسياسات في عالمنا العربي والاسلامي يجدفون بجمارها ويفجرون فتائلها، دون ان يرقبوا في الناس الا ولاذمة٠

وليس الامر مقتصرا على ساحتنا في لبنان واليمن والسودان وافغانستان وغيرها، وانما للحروب الاهلية انتشار في مختلف ارجاء الارض، ففرانكو اليميني الملكي الرادكالي اشعل واحدة منها في اسپانيا ضد اليسارين الذين كانوا يحكمون، ومن اجل ذلك اقام علاقات وثيقة بالنازية الهتلرية والفاشية الموسولونية، وحينما انتصر على خصومه وفاز بالعرش قبل ثلاث سنوات من اندلاع الحرب العالمية الثانية، اعتذر لهما بالقتال في صفوفهما، مبررا ذلك ان اسپانيا خرجت توا من دخان حربها الاهلية ولا قدرة لها للمضي في حرب جديدة، وبقي على الحياد، لهذا لم يرد لها اي ذكر او تراث في الحرب التي دارت بين المحور والحلفاء٠

واستعرت ايضا حربا اهلية في اليونان ( ١٩٤٦-١٩٤٩ ) بين الحكومة الراسمالية التي كانت مدعومة من بريطانيا والولايات المتحدة، وبين الديمقراطيين الشيوعيين اليونانيين الذين كانوا يحظون بالدعم من يوغسلافيا والبانيا وبلغاريا، وهو صراع بين قطبي اليسار واليمين، والذي انتهى الى هزيمة الشيوعيين الذين قاتلوا من قبل ضد القوات الالمانية والايطالية في الحرب العالمية الثانية٠

وكذلك شهد العالم عديدا من الحروب الاهلية، كالكورية واللاوسية والفيتنامية والكولمبية والروديسية وغيرها، وما الحرب الاهلية التي حصلت في يوغسلافيا عنا ببعيد، حيث تحلل هذا الاتحاد الى ستة جمهوريات متنافرة دخلت في صراع عرقي وجغرافي ومذهبي وطائفي ولمدة ثلاث سنين عجاف حتى تدخل الغرب بقوة وارسى احكاما ذاتيا للاقليات داخل ممالكها الوليدة٠

كان للحرب الاهلية دورا واسعا في تشكيل الولايات المتحدة الامريكية، فمنذ ان اعلن ابراهام لينكولون الرئيس السادس عشر عن الغاء نظام الرق والعبودية متاثرا ببريطانيا العظمى التي سبقته بذلك، انفجرت الحرب الاهلية بين ولايات الشمال الباردة التي كانت تدار مزارعها ومصانعها بايدي اسكندنافية والمانية واوربية هاجرت اصلا من مناطق باردة، وبين الولايات الجنوبية الاحدى عشر الحارة التي كانت تستثمر في زراعة اراضيها وتخصيب انتاجها الزنوج والعبيد والاقنان الذين تم شحنهم بالسفن من افريقيا، والتي لاغنى لها عنهم ولايمكن التفريط بهم واطلاق حرياتهم، فتمردت على القرار، وعصت، فاشتعل لهيب الحراب الداخلي بينهما واستمر عنيفا دمويا مدويا طيلة خمسة سنوات ( ١٨٦١-١٨٦٥ ) هلك على اثره حسب بعض المصادر مليون قتيل في الوقت الذي كانت نفوس الولايات مجتمعة لايزيد عن العشرين مليون٠

لقد كان تحرير العبيد شعارا كاذبا، فظاهره انيق وناعم، ودثاره هيمنة الشمال على الجنوب الذي اقتطع في غالبيته من المكسيك، لتبقى الكلمة الاولى للعاصمة واشنطن ولرئيسها ابراهام لنكولن ذو الاصول العبرية، الذي قال بالحرف الصريح، لن اساوي اجتماعيا وسياسيا بين العرقين الابيض والاسود، ولن اكون ابدا في جانب جعل الناخبين او اعضاء هيئة المحلفين من الزنوج، ولالتاهيلهم لمسك المكاتب ولالتزويجهم بالبيض، وان هناك فرقا جسديا بين العرق الابيض والاسود، وانا وكاي رجل اخر افضل ان يكون منصب الرئاسة بيد العرق الابيض٠
وهاهي عدسة الحياة تكشف وبوضوح وفي القرن الواحد والعشرين سوء معاملة الامريكين الافارقة رغم جهادهم الطويل والحثيث على درب المساواة الشائك، ولانحتاج الى مؤنة لتشريح واقعهم وحياتهم٠

بعد غزوة الكونغرس تقف امريكا على شفا حرب اهلية، وهذا ماصرح به عدد كبير من المفكرين والمراقبين السياسين والاقتصادين والاجتماعين، وهم يرون ان القوة البيضاء المنظمة الذي زاد عددها عن خمسة وسبعين مليونا قد اعادت ترشيح عنصرا نرجسيا يمينيا شعبويا شديد التطرف والولاء للونه وقومه وعرقه، وشديد الكراهية لما يصنف بالاجنبي والمهاجر واللاجئ، ليكون ناطقها الرسمي الصادم والصارم والصلب، علما ان هذه القوة تملك الاموال وغالبية الاسلحة المنفلتة والتي تقدر باكثر من ثمنمئة مليون قطعة تم اقتنائها وبتزايد ابان زعامة دونالد ترامب في عهدته٠

مهما جهد المتأمركون بوصف ماحدث بانه زوبعة في فنجان، ومهما ساقوا من حديث حول مأسسة امريكا ودستورها ومجلسيها النواب والشيوخ وعراقة ديمقراطيتها، يعجزون عن تغطية الشمس ماحدث بغربالهم، فامريكا اليوم منقسمة طوليا ورأسيا وشاقوليا وعموديا وعرضيا وافقيا، وان يومها ليس كامسها، ومابقي لها من دنيا الا صبابة كصبابة الاناء٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( بأسهم بينهم شديد )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١٦/١/٢٠٢١