مستقبل شيعة العراق قراءة في موقع المرجعية من العملية السياسية

محمّد صادق الهاشميّ

تعيش العملية السياسية في العراق – التي تقرّ حقوق شيعة العراق – معادلة تقوم على ركائز ثلاث وهي : (الأولى) : المرجعية ، (الثانية): الجمهور ، (الثالثة): السياسيون.
ومنذ عام 2003 إلى الآن يشتدّ الجدل في تقييم التجربة السياسية بين القوّة والضعف ، ولأجل تسليط الضوء على مستقبل ومصير الشيعة في العراق سياسيّاً نضع القراءة أدناه في ظلِّ خطاب المرجع الأعلى في النجف الأشرف ، أعني بذلك آية الله العظمى السيّد عليّ الحسينيّ السيستاني دام ظلّه لنعرف أين الخلل.
(أوّلاً) : ما هي عناصر القوّة لدى شيعة العراق .
1. الدستور الذي أثبت حقوق المكوّن الشيعيّ ، والذي رسّخته المرجعية وجوداً مُعْتَرَفَاً به إقليمياً ودولياً وداخلياً ، وما زالت وتبقي المرجعية راعيةً له ، ولولاها لما بقي شيء اسمه العراق ، ولسارت العملية السياسية في متاهات في غاية الخطورة في دهاليز الاحتمالات والمشاريع ، في محيطٍ لا يرحمُ ، وداخلٍ متقاطع جدّاً.
2. وجود المرجعية يشكّلُ صمام أمان أثبت قدرته وحضوره في علاج الأحداث ، ودفع الأخطار ومواجهة التحديات .
وفي متابعة لأبرز مراكز الدراسات العالمية وجدنا أنّهم يرون أنّ المرجعية أنتجت عدّة مشاريع في العراق لا يمكن مغادرتها لأيّ لاعبٍ في الساحة العراقية ، ولا يمكن تجاوزها وهي :
(أ). الدستور المدني الذي وفّر مناخاً لنيل المكوّن الأكبر (الشيعة) حقوقه.
(ب). وصول السياسيين الشيعة إلى الحكم ، ومع كثرة الانشطار والتشظّي والتحديات إلّا أنّه لم يتمكّن المحيط الدوليّ والإقليميّ من خلق بديلٍ عنهم ، ولم يجرؤ أحد على طرح مشروعٍ بديلٍ عنهم في مناصبهم الأساسية التي رسّختها المرجعية عبر الدستور المدنيّ ، وعلى سبيل المثال كان الاعتقاد سائداً بعد أحداث داعش بأنْ سوف تنتج عمليةٌ سياسيةٌ لا يحافظ الشيعة فيها على مواقعهم ، إلّا أنّ الذي ثبت هو العكس ، وبهذا ترسّخت حقوق الشيعة أكثر بعد أنْ خرج العراق من أشدّ محنةٍ في تاريخه الحاضر ، وهذا أحد ثوابت الشيعة ، فقد كان يراد من الفتنة إخراج العراق من يد الشيعة إلّا أنّ المرجعية أخرجت العراق من يدِ أعداء الشيعة مختوماً بختم التشيع ، كحقيقة لا تقبل التغيير والتجاوز ، وأدرك العالمُ بأسره أنّ المرجعية لها ثوابتُها وكلمتُها وموقفُها .
(ج). رفع الاستعداد لدى المكوّن الشيعيّ للدفاع عن العملية السياسية ، وأحد نتائج هذا الاستعداد وثمرته هو «الحشد الشّعبيّ »، وبفعل المرجعية تعرّف العالم على حقيقة الاستعداد الشيعيّ للدّفاع عن حقوقه لآخر نَفَسٍ بنحو أُسطوريٍّ عبّر عنه المرجع بأنّه : «حشدٌ مقدّسٌ ، وأنّهم كأنصار الحسين × ».
(د). ربط العملية السياسية بقرار المرجعية عبر الايمان والطّاعة والولاء من الجمهور لها بوعي عقائديٍّ مهمٍّ محرّكٍ بفاعليةٍ عاليةٍ .
(ثانياً) : ما هي عناصر الضعف في شيعة العراق:
هذه هي العناصر الأساسية لقوّة التشيع السياسي في العراق التي رسخّت العملية السياسية في العراق ، ورُسّخت كثقافةٍ لدى المكوّن الشيعيّ العراقيّ ، ونجد – بما لا يقبل الاحتمال ولا يختلف عليه اثنان – أنّ المصدر الحقيقيّ لقوّة التشيع ، ووجودهم ، وثبات حقوقهم مركّباً من : حضور المرجعية ميدانياً ، وطاعة الأمّة لها ، وأنّ الخطاب الأخير الذي وجّهه سماحة السيّد بتاريخ 16-3-2018 م كان واضحاً في كُلّ طياته أنّه يتحدّث عن المنجز السياسيّ في العراق كمنجزٍ وليدٍ من رحم وقناعة وجهود المرجعية ، ضمن فهمها العميق لحركة التاريخ ، ولتاريخ المظلومية والتهميش لشيعة العراق ، ممّا أوجب عليها العمل أنْ تسير حثيثة الخطى لترسيخ نظامٍ سياسيٍّ يُنهي أعواماً وعقوداً بل قروناً من الظلم السياسيّ وملازماته من القتل والتسفير والتهجير والاعتقالات .
وقد أشارت المرجعية بوضوح إلى أنّ هذه المهمّة التي قامت بها هي مهمّة الأنبياء الاصلاحية ، لكنّها قد تعاني من الاخفاقات كما أشار إليها بفعل عوامل أخرى خارجة عن إرادة المصلحين ، بسبب السياسيين الذين لا يهتمّون لهذا البناء الاصلاحي ، ولا يتنازلون عن مكاسبهم ومحاصصاتهم وامتيازاتهم التي شكّلت عامل ضعفٍ محرجٍ للعملية السياسية .
وهنا يمكن الاشارة من قبل المراقبين ومراكز الدّراسات إلى أنّ هناك نقاطاً خطرةً يشير إليها المرجعية العليا ، داعياً إلى معالجتها حتّى لا تشكّل نقاطَ ضعفٍ وتقاطعٍ بين المرجعية وبين السياسيين أمام الأمّة .
وبعبارة أدقّ : في الواقع الشيعي هناك عملية سياسية تعتمد على ثلاث عناصر «المرجعية ، الأمّة ، السياسيون»، وهنا تفصيل :
1. العملية السياسية بخير مادامت الأمّة تؤمن بها .
2. العملية السياسية تتجه إلى القوّة ، وإلى إمكانية تجاوز التحديات ، وصولاً إلى بناء الدولة الشيعية ، مادامت المرجعية تقوم برعايتها وشدّ الأمّة لها .
3. العملية السياسية تعاني الضعف بفعل الدور غير المسؤول الذي يقوم به السياسيون ، من:
(أ). محاصصات سياسية وتحزّب وتشظٍّ وتناحرٍ , وإهمال المصالح العليا الوطنية لصالح المصالح الحزبية .
(ب). إهمال الدور الخدمي الذي ينبغي أنْ يقوم به السياسيون أمام الجمهور.
(ج). الامتيازات التي يوليها السياسيون لأنفسهم على حساب الجمهور.
(د). عدم طاعة السياسيين لتوصيات وإرشادات المرجعية العليا.
هذه النقاط التي أشار إليها المرجع في خطابه الأخير هي التي تعطّل العمل الاصلاحيّ الذي يقوم به هو شخصياً ، وأيّ مرجع كان لا يمكن له إكمال مشروعه في بناء الدولة العراقية بناء صحيحاً ، ويجعل الأمّة تنتمي لها ، وتدافع عنها ما لم يكن هناك جهد سياسيّ يشعر المواطن أنّ الحكومة والدولة تمثّله وهي ملكٌ له ، وليس ملكاً للأغنياء والسياسيين ورجال الأحزاب ، ولكي لا تنفصل الأمّة عن العملية السياسية أشعرت المرجعية الشعب العراقيّ أنّها تنتمي له وللعملية السياسية إنْ خذلها السياسيون ، فتكون المعادلةُ السياسيةُ بعد عام 2018 وفق خطاب المرجعية ووفق نتائج الانتخابات والواقع السياسيّ مكوّنةً من «المرجعية زائداً الأمّة = عملية سياسية»، بينما المرجع يريد أنْ تكون المعادلةُ هي «المرجعية زائدا الأمّة زائدا السياسيون» = العملية السياسية.
(ثالثا) : النتيجة .
1. وفق ما قدّمناه في ضوء خطاب المرجعية وبيانها التاريخي الذي كشف نقاط الخلل والضعف نجد أنّ المرجعية تركت الأمّة بالخيار في ممارسة حقّها الانتخابي من أن توجب أو تندب إلى المشاركة ، وقد أشارت إلى السبب ، وهو تكرر الوجوه السياسية والبرامج ، واستمرار الضعف وبقاء ذات الأخطاء ، ولكنّها من المؤكّد ستبقي ممسكة بالأمّة والعملية السياسية ، وسوف توجب المشاركة لاحقاً حال توفّر مناخ صحيح وبرامج وأحزاب وشخصيات أكثر صلاحاً .
وعليه فهي ليس في صدد مقاطعة الأمّة والتخلّي عنهم في أشدّ محنةٍ من تاريخهم السياسيّ والاجتماعيّ ، بل هي في صدد الانتماء لهم ، وإلى المشروع السياسيّ الذي قامت بتأسيسه ورعايته بانتظار الصلاح والإصلاح الذي يعدّل من مسيرة الحكومة ، وينتهي إلى كسب الجمهور ، وبناء الدولة العراقية ، وإلّا إذا بقت هذه الأحزاب ممزقة ، وتبحث عن مصالحها ، وتهتم بالدفاع عن وجودها ومنشغلة عن أصل هذا الهدف الاصلاحي ألا وهو بناء الدولة العراقية من خلال الخدمات وتطوير البلاد في مختلف المجالات الصناعية والزراعية والثقافية ، فإنّ المرجعية تكون أمام واقعٍ مريرٍ يجعلها تقاطع مرحليا لأجل أنْ تنهض الجماهير بمهمّة الاصلاح من خلال الرفض والتغيير ، وإنْ استلزم هذا التظاهر والتعبير بنحوٍ سلميّ الضغط على القادة .
2. نعم هذا هو الواقع ، وإلّا فكيف تنتظرون من المرجعية أن تدفع الأمّة إلى انتخاب ذات الوجوه ، والحال أنّها لم تقدّم شيئاً لها في مجال الخدمات ، وقد بلغ مسامع جميع المراجع شكاوي الناس ، وعتبهم عليها بأنّهم سمعوا قولها وأطاعوا اوامرها بالمشاركة ثلاث دورات على الرغم من الألم والذبح والقتل ونزيف الدماء والفقر وقلّة الخدمات ، والحجم الكارثيّ للمعانات ، فهل يقبل العقل السياسيّ أنْ تكون المرجعية بموقف عتبٍ عميقٍ من الجمهور لأجل هذه النخب التي تورمت فساداً وامتلاكاً للمال الحرام والمناصب والامتيازات مع أنّ الفقير لا يجد قوة يومه ؟.
3. وبالقياس إلى الواقع الذي نعيشه ، والعملية السياسية تسير في تخبطٍ سياسيٍّ بين اخفاق خدميٍّ ، وبين قلّة الإقبال على الانتخابات ، وكلام عن التزوير وخلافات حادّة تحول دون التحالف لانجاز الحكومة ، وتمزّق القوائم الشيعية ، وهو واقع ينذر بإنتاج حكومة محاصصات وإهمالٍ لأيّ مشروعٍ خدميّ ، فكيف سيكون موقف المرجعية ، وكيف يكون انتماء الجمهور إلى العملية السياسية ؟.
ويبقي الاشكال يتحمّله السياسيون وحدهم ما لم يصلح الله حالهم ، ويهديهم إلى ما هو أفضل أداءً وأهدى رشداً .
وإلّا فلا تنتظروا – أيّها السياسيون – من الأمّة مشاركةً ، ولا من المرجعية تأييداً ، حتّى تأتي طبقاتٌ سياسيةٌ أكثر خبرةً وصلاحاً.
ونحن مقبلون على تجربة سياسية رابعة من عمر العراق ، وعمر العملية السياسية ، نرفع الصوت عالياً لكلّ سياسيّ منصفٍ يهمّه طاعة المرجعية ، ويسهر الليالي على مستقبل العراق ، وينوي أن يسعى جاهداً لبناء الدولة العراقية بالقول: إنّ الدورة الرابعة تعني إمّا أنْ نكون أو لا نكون ، وفي حال اخفاقكم فسوف تُلقي بكم الأمّةُ والمرجعيّةُ خارج مسيرتها ؛ لأنّكم أساس فشلها ، ولا يمكن للعراق بعد كلّ تلك الدماء ، وبعد جهود المرجعية ، وبعد مواكب الشهداء ، وأنهار الدم أنْ تفشل، ولايوجد لحل الأزمة الا خيارات ثلاث :
اولا :اما ان تتدخل المرجعية عبر ممثليها لتشكيل نخب سياسية تتحمل مسؤولية البناء بديلا عن النخب السياسية الحالية
ثانيا :ان تتولى الامةذلك من خلال مثقفيها وهو يحتاج إلى صبر وإمكانات ودعم المرجعية أو أي جهة ساندة
ثالثا:واما ان نتقبل هذا الواقع بكل مافيه، مع شي من الضغط عسى ولعل . انتهى