كلمة محمد صادق الهاشمي في مؤتمر الامام الخميني مرجعية منتصرة. النجف الاشرف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأخوة الأعزّاء من العلماء والفضلاء وأستاذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، والمسئولينَ السياسيين والمثقفين والنخب والأكاديميين.

الحديثُ عن الثورة الإسلاميّة وخلفياتها وظروفها أمرٌ قد تعهّد البحثَ فيه والكلامَ عنه العلماءُ الأفاضل ، أعني آية الله السيّد مجتبى الحسنيّ ، وآية الله السيّد عليّ أكبر الحائريّ ، وقد أوضحا الأمر جليّاً ، وأفاضا بما لا مزيد عليه ، إلّا أنّي  أتناول أمراً قد شغل الإعلام ، وتوسّع الحديثُ فيه من قِبِلِ العديدِ ، بقصدٍ أو بدون قصدٍ ، وهو محلُّ تداولِ الأوساط الثقافيّة والعلميّة والبحثيّة ، ويشغلُ مساحاتٍ واسعةٍ في مواقع التواصل الاجتماعيّ ، وهو ما هي علاقةُ الشعبِ العراقيِّ بالثورة الإسلامية في إيران .فهي دولة جارة لها خصوصياتها بما لها من ثورةٍ تختصّ بشعبها وجغرافيتها ودستورها المحدد في كلِّ تفاصيله وبنوده الدستورية بما يخصّ وينظّم حياة الشعب الإيرانيّ فما هي علاقة الشعب العراقي بتلك الثورة  ولماذا نحتفل بذكرياتها الخاصّة؟

 

والإجابة عن هذه المقولة تتلخّص بما يلي:

(أوّلاً) . إنّ الثورة الاسلامية لم تنصّ في موادّها الدستورية ، ولا في أدبياتها ومفاهيمها ، بل وكلّ ما قيل من القادة العظام والمؤسسون الأوائل لها بأنّها ثورةٌ تختصّ بالجغرافيا الإيرانية دون أنْ تهتمّ بشؤون المسلمين في العالم وأحوالهم وظروفهم وتطويرهم ومساعدتهم ، بل على العكس من هذا فإنّ قادة الثورة الإسلامية كانوا وما زالوا يحملون لواء الدفاع عن الإسلام والمسلمين ويؤكّدون في أكثر من مناسبةٍ وحدثٍ على أنّ إيران لكلّ المسلمين ، ولا يمكن أن تتخّلى عنهم في كلّ موقفٍ يحكم الشرعُ باتخاذه ، وهذا هو واجبها الإسلاميّ وما تفرضه عليها الشريعة المقدّسة ،  وتكليفها السماويّ وأهمّ تلك الأهداف لتلك الثورة ، بحيث لا قيمة ولا معنى لها إلّا بها ، فلو تخلّت عنه تكون قد أُفرغت من محتواها ، وهذا  الأمر قد تبنّته إيران كمرتكزٍ ومنهجٍ أساسيّ في مسيرتها  ، ولم تتخلَّ عنه منذ اليوم الأوّل لانتصارها إلى يومنا هذا ، وهو أثبتته بكلّ موقفٍ وحدثٍ ، وهذا الثبات هو الذي يغيضُ الأعداء ، ويقضّ مضاجع العملاء في الخليج وسائر الدول العميلة للغرب ؛ لأنّهم أدركوا أنّ الثورة في إيران قد ترجمت موقفها العمليّ في نصرة المسلمين إلى موقفٍ عملى بثباتٍ ، ولم يخضع هذا الموقف إلى المساومات ، ولم تؤثّر عليه الظروف والمتغيّرات ، ولم يكن موقفاً مختصّاً بشيعة المنطقة دون غيرهم ، بل كانت ومازالت تدافع عن الشعب الفلسطينيّ بنفس قوّة الدّفاع عن أيّ مظلومٍ على الأرض كالبحرين واليمن والعراق.

(ثانياً). إنّا حينما نتحدّثُ عن ثورةٍ إسلاميّةٍ فالفرق كبيرٌ حينما يكون الحديث عنها أو عن ثورةٍ مجرّدةٍ تختصّ بجغرافيا خاصّة ، وتعيش في إطار دستورها والمجموعة السكانية المحددة والتي يطلق عليها ( الجيو سياسي ) ، وإمّا هنا الحديث عن ثورةٍ إسلاميّة لها بعدٌ إسلاميٌّ فكراً ومنهجاً ورؤيةً وتشريعاً ، فهي تمتدّ بامتداد العمق السكانيّ للمسلمين جميعاً ، تمنحهم من فيضها ووهجها ورؤيتها ؛ لأنّها انطلقت لتكون ثورة المسلمين ، وليس ثورة الايرانيين ، وإنّما كان الشعب الإيرانيّ منطلقها وأحد مصاديق التطبيق والنهوض والاحتضان للتجربة ، وهذا ما نجده في كتاب الامام الخمينيّ «الحكومة الاسلامية » ، والذي اعتبر فيه ثورته لجميع المسلمين ، وأنّ الجغرافيا والحدود هي من صنيعة الحكومات الغربية فقسّموا العالم إلى شرقيّ وأوسطي وغربيّ وفق مصالحها ، حينما واقتُسمت بلاد المسلمين وقسّمت النفوذ بينها وفق معاهدة (سايكس بيكو) وقبلها (سان ريموا).

(ثالثاً). لا يمكن القول : إنّ الثوراتِ لا تؤثّر في المحيط الاقليميّ والدوليّ ، فلو تتبّعنا أثر الثورات العالمية نجد أنّها – وإنْ كانت داخليّةً ولكنّها كتجربةٍ سياسيّةٍ اجتماعيّة – أثّرت في تحريك الشعوب في المحيط المجاور ، وهذا التاريخ الكبير يشهد لنا بحركة التاريخ السياسيّ الانسانيّ كردّة فعل لثورة فرنسا عام 4يونيو 1789م ، والثورة الأمريكية ضدّ الحكم الملكي الإنكليزي عام 1774 والثورة البريطانية التي قام بها البرلمان البريطانيّ  ضدّ الحكم الملكي( بقيادة الملك جيمس الثاني) والمتصبّغ بالصبغة الإلهية الملكية ، وأعادوا النصاب إلى الشعب بأنْ يكون مصدر السلطات والتشريع ، وأنْ الحاكمَ يُحاسَبُ أمام القانون ، دون أيّ قدسيّةٍ مزيّفةٍ ، وهكذا الثورة الروسيّة البلشفية عام 1917 التي أسقطت الملكية القيصرية فإنّنا نجدُ كلّ تلك الثورات أثّرت في المحيط البشريّ خارج حدود تلك الثورات ، وآخرها الثورة الشيوعيّة الروسيّة ، فكيف يمكنكم الادّعاء أنّ الثورة الانسانية الاسلامية في إيران لا تؤثّر في المجتمعات البشرية المسلمة ، وأقربها العراق بفعل التقارب والمشتركات الكثيرة .

 

(رابعاً) . إنّ المواقفَ العمليّةَ والمعطياتِ تؤكّد بما لا لبس فيه أنّ  ظروف المسلمين في المنطقة مختلفةٌ بين ما كانت عليه من هوانٍ وتهميش من قبل الحكّام ، وبين حالة الوعي والنهضة والثورة والمطالبة بالحقوق في مرحلة ما بعد الثورة الاسلامية ، وعلينا أنْ نشاهد الخريطة السياسيّة لمسلمي العالم من البوسنة والهرسك إلى فلسطين وإلى دويلات الخليج والعالم الاسلاميّ والعربيّ لنتأكّد بأنفسنا من الأثر العمليّ الذي عليه حال المسلمين وقوّتهم وموقفهم في التصدّي لمن يصادر حقوقهم ، ويريد منهم أنْ يكونوا أداةً طيّعةً وقيمةً اجتماعيّةً مهملةً وشريحةً لا يحقّ لها الحياة إلّا بالقدر الذي يحدده الطّغاة ، إلّا أنّهم تمكّنوا اليوم من رفع أصواتهم ، والتعريف بحقوقهم ، فمنهم من نال حقَّه ، ومنهم من يواصل الكفاح ، كلُّ هذا ببركة الثورة الإسلامية المباركة التي رفع رايتها وفجّرها الإمام الخمينيّ ، ثمّ قاد مسيرتها الامام الخامنئي ، وهي التي تمكّنت بوعي وفهمٍ عميقين أنْ تضع الشعوب الاسلامية على جادّة الجهاد ، والمطالبة بالحقوق السياسيّة ، وإنهاء عصر التخّلف والهيمنة الأسريّة .

 

(خامساً). أمّا لو دققنا النظر عميقاً وأعدنا الكرّة مليّاً في تاريخ التشيّع السياسيّ في العراق نجده تاريخاً حافلاً بالحرمان والظلم والتهميش والقتل والتشريد ، منذ أنْ احتلّ العثمانيون العراق وخضع لهيمنة الظلم لأربع قرونٍ خلت من تاريخ العراق ، وهي الفترة التي تمّ فيها حكم العراق من قبل الخلافة العثمانيّة ، وتلاها الاحتلال البريطانيّ للعراق ، والذي أسس حكماً علمانيّاً امتدّ منذ عام 1921 الى عام 1958 ، خلال تلك المدّة الزمنيّة العثمانيّة والبريطانيّة كانت الطائفة الشيعية لا قيمة لها ولا قدر ولاحقّ ولا نصّ دستوريّ ، ولا فقرة قانونية تشير إلى شيء من حقوقهم الاجتماعيّة أو السياسيّة أو الدينيّة ، بل توجد النصوص والأدلّة على منعهم من حقّوقهم وتهميشهم ، وقتل علمائهم ، وتسفير مراجعهم ، وإعدام رجالهم ، واستحياء نسائهم ، وكنّا مصداقاً لما فعله الفراعنة مع قوم موسى : {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة : 49] ، واستمرّ الحال حتّى قيام ثورة عبد الكريم قاسم عام 1958 م، ثمّ ثورة القوميين بقيادة عبد السلام عارف عام 1968 م ، وهكذا استمرّ الأمر واستمرّت معه الويلات على شيعة آل البيت في عهد صدام ؛ لذا حينما سقط الصنم البعثيّ (صدام حسين ) ببغداد نجد أنّ شيعة العراق بفعل تأثّرهم بالأفكار التحررية لثورة الامام الخمينيّ تملكّوا سلاح الوعي ، والاستعداد لنيل حقوقهم ، والمطالبة بمصالحهم وحقوقهم السياسيّة ، هذا الوعي اصطدم به المحتلّ الأمريكيّ ، حينما وجد شيعة العراق عام 2003 الذين تشبّعوا بمفاهيم الثورة الاسلاميّة الايرانيّة ، وتعرّفوا على حقوقهم السياسيّة ، وطالبوا بها هم ليس شيعة العراق عام 1921 الذين أهملتهم بريطانيا حينما شكّلت الحكم ، ولم تهتمّ بهم ؛ لأنّها وجدتهم غير مهتمّين ولا مبالين بهذا الأمر ، بل كان غائباً عن اهتمامهم .

 

شيعة عام 1921 لم يجرؤ أنْ يطالبوا بحقوقهم ، بل كانت منجزاتهم مقصورة على المطالبة بإخراج المحتلّ ، فقاموا بثورةٍ ضدّه بتاريخ عام 1920 مقابل أنْ تأتي بريطانيا بحاكمٍ مسلمٍ أيّاً كان ،  فجاءتهم بريطانيا بالأمير فيصل ، وشكّلت حكماً طائفيّاً لا يعرف ولا يعترف للشيعة بأدنى حقوقٍ.

 

أمّا شيعة عام 2003 فإنّهم يمتلكون الوعي الذي جعلهم لا يسمحون بالتهاون في حقوقهم مهما كان الثمن ، فأسسوا الدستور الذي يضمن حقوقهم وحقوق باقي المكوّنات تحت اشراف المرجعية ، وهنا كان أمران مهمّان أثّرا في حركة الشيعة في العراق نحو تأسيس دولة تضمن مصالحهم ، وهما : الوعي الثوريّ الذي اقتبسوه من إيران . والثاني الإسناد الإيرانيّ لهم أُسوة بإسنادها لكلّ مسلمي العالم ، فكانت أوّل حكومة  تحت زعامةٍ ٍ شيعيةٍ في تاريخ العراق والعالم العربيّ  على امتداد  التاريخ المعاصر .

 

إنّ الثورة الإسلامية أدركت معانات شيعة العراق ، وانتصرت لهم ، وأدخلت في متبنياتها ومنذ اليوم الأوّل لانتصار الثورة ثابتاً من ثوابتها ، ألا وهو الدفاع عنهم وتغيير واقعهم السياسيّ والاجتماعيّ ، وكلّ ما عليه شيعة العراق كان وما زال ويبقي هو بدعم الجمهورية ، وقد رأينا موقف إيران العمليّ في دعم المعارضة الشيعية وإيوائهم وإسنادهم ، ورأينا أنّها أوّل دولةٍ اعترفت بالحكومة العراقية بعد سقوط  الصّنم الصداميّ ، ورأينا كيف ساندت ودافعت دون توقّف ،  وأخيراً وليس آخراً موقفها في إسناد المؤسسات الأمنية والعسكرية والشعبية ضدّ الإحتلال والخطر الداعشيّ .

 

وهنا نقاط حساسّة على شيعة العراق أنْ يدركوها في تعاملهم مع الجمهوريّة الإسلاميّة ، ومن الضروريّ أن يأخذوها  بنظر الاعتبار في علاقتهم بإيران ، ألا وهي :

 

(أ).  الجغرافيا والجوار .

 

(ب). التاريخ والثقافة الإسلامية الموحّدة .

 

(ج) . الحوزات والعتبات والمقدّسات المشتركة .

 

(د) . القوّة السكانيّة والبشريّة المشتركة ؛ فإنّ شيعة العراق وإيران يشكّلون 62% من سكان الدّول المطلّة على الخليج .

 

(هـ) . القوّة الاقتصاديّة والنفطيّة والتصديريّة لكلا البلدين بما يشكّل إمكانية التأثير في القرار الاقليميّ والدولي إقتصادياً .

 

(و) . إمكانية بناء وحدة أمنية ، وقوى اشتراك دفاعي موحّد .

 

(ز) . إمكانية أنْ يتمّ بناء قوّة استنهاض لمسلمي المنطقة ممّا يهدد المشروع الإستكباري الأمريكيّ في المنطقة .

 

(ح) . إمكانية الاستفادة من التطوّر التقنيّ والعلميّ والتكنولوجيّ الايرانيّ .

 

هذه هي أهمّ النقاط التي تجعل شيعة العراق في علاقتهم بهذه الثورة لمستقبل أفضل إنْ تمكّنت القوى السياسية في العراق حكومةً وأحزاباً وشعباً أنْ يرسموا علاقةً صحيحةً تقوم على الاستقلال وتبادل المنفعة وتشريك العلاقات بما ينهض بالعراق على مستوى  الاستقواء الاقليميّ،  ويفكّروا بعمقٍ وبفكر النهوض بمشروع الدولة ويلازم ذلك توفير الحماية الإقليميّة والدّوليّة . خصوصاً أنّ هذه الثورة لديها خزين فكريّ ومعرفيّ وعقائديّ ومصالح تلتقي مع الخزين العراقيّ بنحو عامّ وشيعة العراق بنحو خاصّ .

 

نعم نحن شيعةَ العراق  نحتاج أنْ نملك وعياً هامّاً للانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة من  خلال الاستفادة من التجربة الاسلامية في إيران التي عملت على البناء والتنمية والتحضّر وتطوير الأسس الاقتصاديّة والعلميّة والتربويّة ، وتقديم الخدمات ، والنهوض بالإنسان والمؤسسات ، كلّ هذا ممكنٌ  لشيعة العراق القيام به بمساعدة إيران الثورة والدولة .

 

إنّ قيم العالم ونظرياته وقوانينه السياسية الحاكمة تدلّنا على أنّ علم الاجتماع يؤكّد أنّ الدّول التي لا تنال حقّها السياسي والاجتماعي تبقى قيد الاندثار والتخّلف ، ودونكم تجارب المجتمعات الانسانيّة وتجارب المجتمع الشيعيّ في كلّ بقاع العالم العربيّ ، فارجعوا البصر لتروا الواقع الشيعي السياسي قبل وبعد  الثورة الاسلامية الايرانية.

 

12/2/2018