مؤتمر الكويت من مؤتمر المانحين إلى مؤتمر الناقمين

السيّد محمّد صادق الهاشميّ

منذ سنةٍ والإعلام العراقيّ الخاصّ والمؤدلج يطبّل لمؤتمر الكويت ، وقد أسموه بـ«مؤتمر المانحين » إشارة إلى أنه باب الفرج العربّي نحو العراق عموماً ، وسنّة العراق بنحو خاصّ ، وهو الذي يعوّضهم العزّ بعد ما تعرّضوا للدمار الداعشيّ ، وقد لوّح البعض به كعصى موسى السحريّة للنهوض بالاقتصاد العراق ، ومعالجة كلّ دمار  خلّفه الارهاب الداعشيّ ، وهو المؤتمر المعنيّ بإعادة البنى التحتية في العراق. وفق هذا التصوّر فإنّ ورقة العمل العراقية للمؤتمر والمشاريع التي أعدّت وبلغت الآلاف قد أُنجزت بإتقانٍ حتّى يتّسع الحنان العربي والغربي لشعب العراق ، وتسيل الدموع ، ويتعالى البكاء أمام حجم الكارثة التي حلّت في العراق ، بعدها ينهمر السخاءُ العربي هتناً على سنّة العراق ، الذين ينتمون إليهم بالمذهب ، ولطالما صدع رؤوسنا الإعلام العربيّ باكيا على مذابح السنّة ورقصات أجسادهم تحت سياط القاعدة و داعش التي أرسلوها هم  . وقد اجتمع الأغراب والأعراب ، ووقف زعيمهم  الخليجيّ خطيبا في وفدنا ، وهو لا يفرّقُ بين ( الاسترخاء والإستخراء ) ، وبعد جدلٍ ومشاوراتٍ قرروا ان يتصدّقوا على العراق ما قيمته مليار دولار كهباتٍ ، والتي لا يمكن أنْ تعمّر قضاءً صغيراً في الأنبار فضلا عن باقي المدن السنيّة ، وأمّا باقي الأموال فهي قروض سياديّة : «وهي القروض التي يدفع العراق قبالها سندات ، وحال لم يتمّ التسديد يحقّ للدولة الدائنة المطالبة المقاضاة والاستيلاء على أملاك العراق وأمواله وودائعه لاسترجاع أصل المال فضلا عن الفوائد المترتّبة على الأصل.  (بوري معدل؟؟؟ ). وبالنهاية  ما جُمِعَ في مؤتمر المانحين في  الكويت هو (مليار واحد ) كتبرعات ، و(16 مليار) قروض سياديّة ، و(6) مليار قروض غير سياديّة : أي لا فوائد عليها وهي أيضا تحتاج إلى سنداتٍ ، ويخضع العراق بموجبه للقضاء والمقاضاة . وعليكم أنْ تتصوّروا خسّة المليار ، وتهتافت الموقف الذي عليه المانحون ، والممنوحون حينما نتعرّف على أنّ هذا المبلغ نتج عن زخمٍ واسعٍ من مشاركة 76 دولة ومنظّمة إقليميّة ودوليّة : 51 من الصناديق التنمويّة ، ومؤسسات مالية إقليمية ودولية . و107 منظمة محليّة وإقليمية ودولية من المنظمات غير الحكومية و1850 جهة مختصّة من ممثلي القطّاع الخاصّ. وهنا عددٌ من الاشارت يجدرُ التنبيه عليها ، وهي :-

(أوّلاً) : أيّها الأخوة السنّة ألف قُبلةٍ على جبين الشرفاء منكم ، وتحيةٌ للشهداء ، وأنتم لحمةُ العراق وسداه ، ولا طريق أمامنا جميعا إلّا الوطن الذي فيه عزّنا وكرامتنا ، وها أنتم جرّبتم الخليجيين ، وهم يتفرّجون عليكم دون رحمةٍ ، ولم يرفّ لهم جفنٌ لا في الكويت ولا في غيره ، وعليكم أنْ تُدركوا أنّ الخليج غيرُ معنيٍّ بكم ، ولم يسعكم إلّا وطنكم العراق ، ونفس الكلام أوجّهه إلى كلّ مواطنٍ ، وكفي لهاثاً وراء السراب ، بعد ما بانت نواياهم ، وتنصلُهم عن وعودهم وخذلانهم لكم ، علماً أنّهم دمرّوا بيوتكم بدواعشهم .

(ثانياً) : أيّها البعض من الحكومة العراقية كفاكم تعويلاً على الخليج والغرب الكاذبين الذي لم يفوا بأيّ موقفٍ ، وما المؤتمرات التي عُقدت وستُعقد إلّا مصداق لقوله تعالى : { أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النّور : 39]، فأين مؤتمرات الغرب والعرب ووعودهم في تسليح العراق ، وفي الدفاع عنه ، وفي تخفيف الديون ، وفي القضاء على الإرهاب وفي غيرها من الوعود؟. اتقوا الله وارجعوا إلى أُمتكم ، وامنحوها جُهدكم وإخلاصكم وصدقكم وضمائركم وخدماتكم واعتمدوا عليها ، ولا تركضوا وراء السراب ، ولا يغرّنكم القنصليات لو فتحت أبوابها وأحضانها ، فلا حضن أكثر دفءً من حضن الوطن ، فالقوم يا أخوتنا يكذبون ولا ترجُ السماحةَ من بخيلٍ فما في النار للظمآنِ ماءُ

3-    بودّي هنا أنْ أنقل الأسباب التي جعلت الغرب والعرب يديرون ظهورهم إلى السيّد العباديِّ وسنّةِ العراق ، وتحويل مؤتمر الكويت من مؤتمر (المانحين) إلى مؤتمر المقرضين المرابين (السارقين) ، وهي :

(أ). إنّهم كانوا يريدون من الحكومة العراقية أو من بعضها تأجيل الانتخابات مقابل تقديم المنح المالية إلى العراق في هذا المؤتمر بهدف التلاعب بالعملية السياسية وإسقاطها وإخراجها من أُطرها الدستورية ، وفرض أجندةٍ خطرةٍ على الشعب العراقيّ ، وإدخال العراق في هذا المؤتمر تحت وصايةٍ دوليّةٍ وخليجيّةٍ ، ولكنّ مؤامراتهم وطلباتهم رُفضت من قبل القرار العراقيّ ، فما كان منهم إلّا معاقبة العراق وتحويل الإعانات القروض ذات فوائدٍ باهضة .

(ب). إنّهم كانوا يريدون من بعض المكوّن السنّي أنْ يؤجّل الانتخابات بذريعة إعادة النازحين كمبرر للتأجيل ، إلّا أنّهم لم يتمكّنوا ، وهنا أيضا أرادوا معاقبتهم لعدم الإيفاء بوعودهم.

(ج). أنّ الخليج غيرُ مستعدٍّ أنْ يدعم الحكومة العراقية ، أو سنّة العراق ما لم يتأكّد بوضوحٍ موقفُ العراق من ملفّاتٍ عديدةٍ ، وكانت الفترة الزمنية السابقة للمؤتمر كافيةً للتأكّد من أنّ العباديّ وحكومته والقوى السياسية الأخرى لم تتمكّن من خلق الأجواء المناسبة في العراق لتوفير متطلباتٍ وشروطٍ كمقدّمةٍ لعلاقاتٍ عراقيةٍ – خليجيّةٍ وفق ما يرونه . إنّ المؤتمر الذي كان يتوقّع العراق من الحصول فيه على (88) مليار دولار وفق الخطّة التي أعدّها ، والتقارير التي كتبها ، واستقدم خيرةَ الخبراءِ ، وتباكى فيما بعد على أعتاب العبد والمولى ، وأبواب البدو والحضر ، مع هذا لم يحصل العراق إلّا على  مليارٍ واحدٍ ، والباقي قروض احتيالية ، ممّا جعل السيّد الجعفري يقف صارخاً : «هذا خلاف توقعتنا ، وقليل أمام حاجتنا » . وليت شعري هل تقبل الحكومةُ العراقيّةُ هذه القروض التي قد تعرّض العراق إلى وصايةٍ دوليّةٍ .

السؤال المُلحّ والذي يفرض نفسه : إلى متى تثقون بتلكم الدول الغادرة ؟؟  «منين أجيب زرار للزيجة هدل» .