الفكر الماركسي فتق ليس له رتق

حامد البياتي

الفكر الماركسي فتق ليس له رتق
القسم الثاني٠

اراق الواقع التاريخي والجغرافي والعرقي ماء وجه ماركس ورفيقه انجلز وماديتهما التاريخية السادرة في تبريرها بتلاشي الدور العبيدي ونشوء الدور الاقطاعي وذلك من خلال ثورة العبيد التي حدثت في الروم الغربية قبل الميلاد بما يقارب السبعين عاما، اولا، وسقوطها فيما بعد في القرن الخامس الميلادي على يد القبائل الجرمانية التي انتشرت في جميع انحاء اوربا، ثانيا٠

ولكن وطبق النظرة الفلسفية للمادية التاريخية التي ترهن التغير الى التضاد والتناقض الداخلي ( الديالكتيك ) نجد انها سقطت في متاهة وغيبوبة وفقدان وعي وهي تسوق هذين التبريرين، فثورة العبيد، التي قادها سبارتاكوس في سنة ٧٣ ق٠م، والذي كان يجبر وامثاله ليصارعوا الوحوش في ملاعب روما لتسلية اباطرة الرومان ولاشباع نهمهم وانسهم للدماء والاشلاء والعظام التي تتكسر بين انياب السباع الجائعة، والتي استمرت لعامين، وقد التحق بلوائه الالاف المؤلفة من العبيد الذين نادوا بزعامته، فاضطر مجلس الشيوخ الروماني بعد ان شع نجمه الثوري، ان يعقد جيشا بقيادة ماركوس كراسوس والذي تمكن من هزيمة سبارتاكوس وقتله وشطرا كبيرا من عناصره، ولم يكتفي بذلك، بل اقام على طول الطريق المؤدي الى روما بنصب الصلبان والمشانق التي علق عليها الالاف من المتبقين الذين بقوا على قيد الحياة ولم يموتوا في المعركة ليكونوا عبرة لكل من تسوله نفسه من العبيد بالعصيان على سلطة روما، وهذا يعني وبكل وضوح، ان سنة الدياكتيك التي اتى بها ماركس لم تتحقق، لانه لم ينتج من التضاد مابين العبيد والاسياد حاله جديدة او دور مختلف او نظام اخر، لان العبيد عادوا الى بيت الطاعة وبقوا يدورون في فلك الطاعة العبودية٠

واما المبرر الثاني فهو اكثر خرما للنظرية واعمق فتقا، فالجرمان الذين يطلق عليهم بالبرابرة، لانهم كانوا يعيشون خارج الحضارة الرومانية والذين امتازوا بشدتهم في القتال ومجالدتهم في الحروب وبراعتهم في اعمال الزراعة وصناعة السفن وباميتهم في القراءة والكتابة، هم من اسقطوا روما الغربية، اذ اجهزوا عليها وبزعامة اتيلا هوني الملقب بسوط الله لتوقهم للاراضي الخصبة والواسعة التي بحوزتها، وكانت قلوبهم قاسية كالحجارة، اذ ماكانوا يغادروا اي مدينة رومية الا ويشعلوا في جثث اهلها الحرائق، واما العاصمة روما فقد بقت ثلاثة اياما مباحة للجرمانيين القوطين الجائعين لينهبوا بيوت الاغنياء ورجال السلطة، وبهذا انهارت امبراطورية الغرب واسدل عليها ستار النهاية واصبحت اثرا باهتا وباردا بعد ان كانت عينا ترهب الارض وتخلع قلوب الناس لمجرد ذكر اسمها٠

واما الادعاء بان دور العبيد قد غطى الارض باتجاهاتها الاربعة، فهو وهم داعب خيال ماركس ورفيقه، وينقصه الدليل ويكذبه الواقع، فهناك دولا لم تشهد للعبيد نظاما انتاجيا واقتصاديا متكاملا، كايران وانكلترا ومنغوليا وجزيرة العرب، ودولا اخرى ضمر فيها دور العبيد وتلاشى نتيجة لظروف خارجيه وقاهرة، فروما الشرقية عجزت عن توفير العبيد لان الامبراطورية الايرانية التي كانت احدى القوتين العظميين تجاورها شرقا وامبراطورية روما القوة الثانية تحدها غربا، فلذلك هي لاتحدث نفسها مطلقا بالاغارة على احدى الدولتين العملاقتين لتتخذ منهما اسارى وعبيد، والصين هي الاخرى لم تتمكن من استجلاب مزيدا من العبيد لان قبائل المغول كانت تتربص بها شمالا والتي كانت من القوة والعدة بمكان بحيث تخشاها الصين نفسها فبنت من اجل ذلك سورها لكي يحميها ويعصمها من هجماتها، واما من الجنوب فتقع دولا ذات هيبة كالهند وفيتنام وكمبوديا وبورما، والامر يصدق على الهند فجغرافيتها محاطة بسوار من القوى وخصوصا من الغرب التي تمدد ايران كاسد يخشى من زئيره الذي يسقط القلوب في الاحذية اذا ماغضب واثير٠

لقد فطن ماركس لكل هذه الخروقات التي تكالبت على نظريته، فقال انها خاصة لاوربا وقدخيطت على مقاسها، وهو بهذا يتنازل عن علميتها وعالميتها، ووضع للشرق الاوسط نظرية اخرى اسماها نمط الانتاج الاسيوي، وذلك في اوائل ١٨٥٠م وجرى وصف جوهرها بانها اقتراح للمجتمعات الاسيوية، وهي الاخرى مبنية على اساطير وتناقضات قد نعود الى مناقشتها في مقالة اخرى٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٢٤/٩/٢٠٢١