الفكر الماركسي العلماني فتق ليس له رتق

حامد البياتي

السطو على افكار الاخرين ومرئياتهم امرا منكرا، والاشد نكيرا هو تحويرها ولي اعناقها وتجييرها باعتبارها من بنات افكار الساطي وتنظيره٠
هرقليطس فيلسوف يوناني الهي ومثالي، وهو واضع فلسفة التغير الدائم، وقوله اشهر من نار على علم، وهو ( لايخطو رجل في نفس النهر مرتين ابدا ) وقد طور قوله هذا تلاميذته، ومنهم سقراط وافلاطون وارسطو، بان التغير يحدث على الرجل اكثر من مرة وهو في ذات النهر، وهذا يعني وبوضوح الى التغير المستمر الذي يحصل في العالم، وقد عرف بالفيلسوف الباكي لان طابع الحزن يغلب على كتاباته، بينما عرف ديمقريطس بالفيلسوف الضاحك٠
وقد ورث تراثه الفلسفي العميق هيجل الالماني والذي يعتبر افضل فيلسوف غربي واكثرهم تاثيرا في الفلسفة الحديثة وكما يعتبر من اهم المؤسسين للفلسفة المثالية الاوربية منذ القرن التاسع عشر٠

تبنى ماركس هذا الاثر، وبنى منه نظريته في المادية الجدلية ومحورها الصراع الداخلي للاشياء، لانه وكما يقول، مامن شئ الا وله مضاد بشئ اخر وفي نفسه، وكمصداق عملي لتنظيره الجدلي يشير الى ماديته في التاريخ عبر المراحل والادوار التي مر بها المجتمع البشري من الاشتراكية الاولى الى العبيد ثم الى الاقطاع والى الراسمالية واخيرا الى الشيوعية الثانية، وهو سرد اقرب الى الخيال الشعري والتسطير السوفسطائي والذي خالفه الواقع وفتح عليه وابلا من الخرم والخرق٠
فحين يدعي ان الاشتراكية الاولى كانت سمة المجتمع البشري واطاره ودورته وانها تحولت بفعل التناقض والتضاد الداخلي الى مجتمع العبيد، فهذا يدل على ان الاشتراكية ليست منسجمة ولا متآخية وتعاني من الغصص والتحارب الداخلي ما ادى الى فنائها وهلاكها ولم تكتفي بذلك، بل وحولتها الى دور متناقض معها شكلا ومضمومنا وهو دور العبيد، فلماذا تذهب نفسه عليها حسرات، ولماذا يرسم نهاية في ماديته التاريخية الى الشيوعية الثانية والتي من الممكن جدا ان تحمل في داخلها بذور تناقضها وجنين تضادها لتنتج لنا مرحلة اخرى من التاريخ ومن الدور البشري الذي لم يذكره في وهمه وافتراضه، اذ ليس هناك من رهان ووثوقية بالشيوعية الثانية ايضا، لانه وفي الاشتراكية الاولى التي كانت من البراءة والبساطة بمكان ولانها لم تتعرف بعد على العبيد والاقطاع والراسمالية والتي كانت في رحم الغيب، وكانت كذلك نقية اليد وطاهرة الذيل، ومع ذلك فقد انماثت وذابت ذوبان الملح في الماء ولم يبقى لها عينا ولا اثرا، فكيف نضمن رسوخ وثبات الشيوعية الثانية وقد رات بام عينها وتعايشت مع الراسمال العالمي والشركات العابرة للحدود والثروات الاسطورية التي تتنازع عليها القوى الاحتكارية ومابلغ الكوكب من تطور ذكي وخارق في الياته الانتاجية التي اغرقت الدنيا بالبضائع والسلع التي لم تكن تخطر على ضمير البشرية ولا حتى في احلامها ايام اشتراكيتها او شيوعيتها الاولى٠

ان ادعاء ماركس بالصيرورة الداخلية للكون مخالف لمنطق الاحداث وحركة الحياة ووقائع التاريخ، فعلى سبيل المثال ان طبقة العبيد التي ظهرت ليست تضاد داخلي في الاشتراكية الاولى، وانما ظهرت نتيجة للشرك والكفر، فقد كان الناس امة واحدة ومنذ نبينا ادم عليه السلام، وكان الانسان مؤمنا بالغيب، ولكنه اراد ان يجسد هذا الغيب في وثن او تمثال حتى يتمثله امامه ليعبده وينتر عليه صلواته وادعيته وصدقاته ونذوره، ويحرق من حوله عطوره وبخوره، وتطور الحس الشركي بعد ذلك، اذ اتخذت كل قبيلة صنم لها، تعلو بعلو صرحه وتتباهى بعظيم جثته، ودخلت اثر ذلك في معارك وحروب مع اقوام وقبائل اخرى لها اصنامها واوثانها، فكانت تبيدهم عن بكرة ابيهم ولا تبقي لهم من باقية ثم اهتدت الى فكرة الاسر واتخاذ العبيد والخول منهم، فتامرهم وهي على اريكة السيادة والنصر فينفذون مايؤمرون وبهذا تولدت طبقة العبيد التي كانت تدير العملية الانتاجية بكل مفاصلها من المبتدى وحتى المنتهى، وكلما كثر الانتاج وزاد وفرة، تطلب مزيدا من الحروب ومزيدا من العبيد٠

لقد تناسى ماركس في سرديته التاريخية دين ( الاسلام ) ولم يشير اليه لا من قريب ولا من بعيد لعصره الذي لعب دورا حيويا في حياة الشعوب، وربما لمسنا له بعض العذر في ذلك، لانه عايش الكنيسة وراى بام عينه ماتصنع من فحش وخرافات واساطير، وربما قاس الاسلام وبنظرته الضيقة على مسطرتها المنحرفة فوصف الاديان بالافيون للشعوب، ولو قراوه كما ينبغي وبانصاف لكانت له وجهة نظر اخرى، فقد تاثر الزعيم الكوبي كاسترو بالسيد الطالقاني رحمه الله حينما علم بعضا من الاسلام وقال لو كان الاسلام كما وصفت فاني من المسلمين، وكذلك الحال مع الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي الذي ولد على فراش الشيوعية وانضم الى حزبها وهو في شرخ شبابه الا انه بعد ان انفتح على الاسلام وتنفس عظمته وانسانيته ومرئياته كفر بالشيوعية التي امضى معها ثلاثة ارباع عمره وجحد بتناقضاتها وامن بالله وعاد الى الايمان واخذ يصحح دربه الذي تراكم عليه جلاميد الالحاد والكفر والشكوك ٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( ام خلقوا من غير شئ ام هم الخالقون )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٧/٩/٢٠٢١