علمانيون وان لم ينتموا

حامد البياتي

يرتج على البعض، بوصف الحكومات التي يعمل فيها اطراف اسلامية، بانها حكومة دينية، وفي هذا ظلم خطير وتجني كبير، ولهذا نسمع مرارا، بان الحكومة في العراق، اسلامية، لان عناصر شيعية وسنية تقودها، والحقيقة غير ذلك، فالشيعة والسنة الذين تسنموا امرها، هم شيعة بول بريمر وهنري كيسنجر والسفير الامريكي ماثيو تولر وقنصله في البصرة تيمي ديفيس، وهم ايضا يتسننون بالدستور الفدرالي الاقليمي المحاصصي المناطقي، والموزع على اجنحة ثلاثة، تنفيذي وتشريعي وقضائي، وفوقها محاكم اتحادية تبت في نزاعاتها التي تتكاثر كالطحالب، وفوقها محكمة اتحادية عليا ولجان نزاهة وتفتيش وتدقيق، ومع ذلك فان السرقات دخلت موسوعة غينيس للارقام القياسية، وبات تراث الامة نهبا على قصعات ( السياسين ) الذين لم يهذبوا ضميرهم ويؤدبوا انفسهم بالشرع الحنيف ولم يخشوا الله واليوم الاخر الذي فيه يعرضون فيختم على افواههم وتتكلم ايديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون٠

والحال لايختلف كثيرا عن حكومة النهضة في تونس، فبعدما حقق الغنوشي الفوز الانتخابي ومنذ ثورة ٢٠١١ ب ٨٩ مقعدا في مجلس النواب فشكل حكومة مدنية مع بقية الكتل والاحزاب العلمانية الاخرى، ثم بدا الانحدار العظيم في حركته، اذ فازت فقط ب ٦٩ نائبا في عام ٢٠١٤ لكنها في عام ٢٠٢٠ تقلصت الى٥٤ نائبا، وفقدت ثقة الشارع التونسي واهتزت مكانتها على الساحة السياسية بعدما فاح فسادها الفلكي مما جعل الغنوشي وحركته في عين العاصفة التحقيقية اثر اختفاء مليارات الدولارات من الخزينة التونسية، ابان سنوات السلطة٠

وحكومة محمد مرسي عكست بشكل واضح، التوازن والمناصفة بين حزبه والجيش، واستبعدت بقية الاحزاب، مما وصفت من قبل المراقبين السياسين بانها خليط من بيروقراطية الدولة العميقة المصرية لحسني مبارك وشخصيات تابعة للاخوان، وقد اعلن اتحاد شباب الثورة عن رفضه لهذه الحكومة باعتبارها تشكيل لايقوم على اي اسس او معايير كفوءة، فلا هي تقنوقراطية ولا ائتلافية ولا توافق وطني، وبهذا لايمكن وصفها بالدينية وبالمطلق، وديباجية دستورها توجت بعبارة، وثيقة ثورة الخامس والعشرين من يناير التي فجرها شبابنا وانحازت اليها قواتنا المسلحة٠

وفي المقابل كانت هناك رموز وشخصيات من صلب الثورة الايرانية واركانها، ويخال لاول وهلة انها اضطلعت لحكومة دينية، اذ نظرت كتبا ومقالات في ذلك، الا انها انحرفت عقائديا وتشيطنت ودعت الى المدنية، ومن هؤلاء مهدي بازركان الذي ابتعثه الشاه رضا الى فرنسا وهو في مقتبل العمر، وعاد وهو يحمل شهادة في الثرموداينمك، وهو يعتبر من اكابر العلماء في هذا الفن، حيث تمكن من تشغيل مصفى عبادان النفطي الاكبر في الشرق الاوسط بقدرات ذاتية بعد انسحاب المستعمر البريطاني، وعمل مع محمد مصدق في جبهته، وبعد سقو الاخير، شكل مع الشباب المتدين والمتحمس حركة الحرية ( نهضت ازادي ) وكان كثير الخطابة في المجالس الدينية التي يغشاها المعمموون، وله من الكتب الكثير، واشهرها العشق والعبادة ( عشق وپرستش ) وريح ومطر في الاسلام ( باد وباران در قران ) والقران في مسار تطوره، وكان متحمسا ومؤيدا للثورة، ولذا تم اعتقاله وسجن لخمسة سنوات، وبقي مستمرا لايثني عزمه كل ارهاب السلطة الشاهنشاهية، واصبح اول رئيس وزراء في ايران عام ١٩٧٩م، الا انه اصطدم مع المجلس الثوري ( شورى الانقلاب ) في احتلال السفارة الامريكية، وكذلك دعى الى المصالحة مع صدام حسين بعد تحرير مدينة المحمرة وايقاف الحرب، ورفض اعدام كبار الجنرالات والشخصيات السياسية الحاكمة في عهد الشاه، وقد تقدم بالاستقالة من منصبه، واعلن ان الدين ينبغي ان يحكم في المسجد ولايقتحم ميادين الحكم والسياسة٠

وابو الحسن بني صدر وهو ابن ايت الله بني صدر، وضمن الاشخاص السبعة الذين رافقوا قائد الثورة في رحلة عودته الى ايران، واول رئيس جمهورية لايران بعد الاطاحة بنظام الشاه، تولى ادارة جريدة الثورة الاسلامية ( انقلاب اسلامي ) وكان خبيرا بالاقتصاد، تاثر بعمق بكتاب اقتصادنا للشهيد السيد محمد باقر الصدر، والذي اوعز الى كاظم بورجوردي بترجمته ولذا اسند له منصبا مميزا في وزارة الاقتصاد ايان رئاسته مكافئة على جهده٠وحينما وقع الخلاف والصراع بينه وبين مجلس الشورى الذي صوت على عزله، اضطر للهروب متخفيا الى فرنسا ليصبح معارضا، وادعى بضرورة الانفصال بين الدين والسياسة٠

وعبد الكريم سروش الذي يعد من اكثر الباحثين والمفكرين الاسلاميين المجددين اثارة للجدل والخلافات، وهو تلميذ اية الله مصباح اليزدي، وله العديد من المؤلفات، منها، القبض والبسط في الشريعة، التراث والعلمانية، التدين والسياسة، العقل والحرية٠واسندت له مسؤولية الثورة الثقافية لتهيئة الاجواء واعادة فتح الجامعات بعد ان اغلقت بسبب سيطرة التيار الماركسي، وقد عرف بمناظراته المفتوحة مع المفكر الماركسي احسان طبري، وتجلت قدرته في اسلمة العلوم المدنية بطريقة معاصرة، الا انه اختلف مع قيادة الثورة في صراعها مع الشيوعيين واقدامها على غلق الجامعات، لذلك ارتأى باستقلال السياسة عن الدين واقصاء رجالاته عنها٠

فالعلمانية في اصرح تعريف هي فصل الحكومة ومؤسساتها والسلطة السياسية ورجالاتها عن الدين ومنظومته، ولذا كل من يكرس هذا المشروع فهو علماني وان كانت عمته سبع طبقات وذؤابة لحيته تصل الى جؤجئة صدره٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٧/٨/٢٠٢١