الموانع للاستفادة من الموانئ

حامد البياتي

قد يكون لعبارة، وطن لايطل على بحر جياع اهله وقليل حظه، فيها الكثير من المصداقية، ولكن الاسؤا من ذلك، من خنق ثغره البحري والمائي ولم يوسع ارصفته ويعمق غوره وينقيه مما غطس فيه من تراكمات الحروب وكوارث البيئة ولم يتعهده بالتقنية التي تبقي جاهزيته ناهضة لاستقبال الملاحة الاقتصادية والتجارية والسياحية٠

في ادنى، البحار والشواطئ، واعلاها، مضائق وقنوات على مستوى كبير من الاهمية في النقل البحري، ولولاها لكانت التجارة العالمية لتبادل السلع والبضائع تحتاج الى اضعاف الزمن والجهد والتي تنعكس مباشرة على اسعارها واثمانها٠

فأما المضائق، فقد وجدت طبيعيا منذ ان خلق الله سبحانه الارض، وهي تعتبر ممرات عالمية مفتوحة للجميع وليس من ورائها اي استثمار مالي من جراء تدفق الملاحة فيها، ولكن لها مردودا اخرا وخطيرا ولايقل اهمية عن المال وربما يبتزه ويتفوق عليه، وهو الفعل الاستراتيجي والسياسي والتحكمي، وهذا مالاحظه الجميع حينما لاحت نذر المواجهة بين الولايات المتحدة الامريكيه وايران التي اعلنت ان مضيق هرمز ( الذي يقع بكامله في منطقة نفوذها والذي يمر عبره اربعين بالمئة من امدادات الطاقة ) لن يكون امنا اذا تعرضت للهجوم وانها قادرة على اغلاقه متى شائت اذا حوصر نفطها الذي يشحن للدول التي تستورده والتي عقدت معها صفقات طويلة الامد ام قصيرها٠
وكذلك الحال ولو بدرجة اقل من الاهمية مع المضائق الاخرى كباب المندب الذي يقع بين الدول الثلاث (اليمن وصوماليا وجيبوتي ) ومضيق جبل طارق المحتل لهذا اليوم من بريطانيا ومضيق مالاوي بين سنغافورة وماليزيا الذي يعد احدى الممرات الانسيابية للسفن القادمة من الغرب الاوربي والقاصدة الى الشرق الصيني٠

واما القنوات فهي ممرات مائية مصطنعة، انشأتها الدول طلبا للاستثمار والتربح، فقناة السويس والتي تعتبر الاخطر عالميا كانت فكرة حالمة في رؤوس الفراعنة، ثم تحققت (على يد دارويش الفارسي التي توجد ليومنا هذا مخطوطة اثرية باسمه ) ولكن ليس على طراز الهندسة الحالية التي نفذتها القوات البريطانية والتي ساقت بالاكراه والقوة افواجا من الفلاحين المصريين لحفرها وشقها وذلك في عام ١٨٦٩م، وقد كانت معظم الرسوم التي تفرض على السفن العابرة تذهب الى الخزينة الانكليزية حتى عمد جمال عبد الناصر الى تاميمها في عام ١٩٥٦ استلهاما من محمد مصدق الذي قام بتأميم النفط الايراني في عام ١٩٥١م، فاعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب بمشاركة اسرائيل على مصر في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦م، فاقتحم خروتشوف الدخان العسكري وهدد باستخدام القنبلة النووية مما ادى الى صمت المدافع وانسحاب العدوان، الا ان الاطماع مازالت تموج في النفس وتهيجها للانتقام والاقتصاص من هذه القناة التي تفيض ارباحا سنويا تقدر بستة مليارات دولار في حين سجلت السياحة المصرية فقط اربعة مليارات دولار في ظل ازمة كرونا، وما السفينة ( المؤامرة ) ايفر غيفن التي جنحت فيها ولمدة اسبوع حتى تم تعويمها تشكل جرس انذار بضرورة خلق ( القناة البديلة الاسرائيلية ) التي يعمل على انشائها بتمويل خاص من البنك الدولي٠

وقد اراد زعيم پنما مانوئيل نورييغا ان يجرب حظه بتأميم قناة بنما في عام ١٩٨٩م والتي كانت ملكا عضوضا للسفن الامريكية التي تجري فيها كالأعلام بين سان فرانسيسكو ونيويورك، الا ان واشنطن ارسلت قوات المارينز والقت القبض عليه واودعته السجن بعد حكمه بثلاثين سنة بتهمة حيازته ومتاجرته بالمخدرات وقد توفي في عام ٢٠١٧م٠

اما روسيا فهي الاخرى رفضت طلب كل من كازاخستان وتركمنستان واذربيجان بتقاسم موارد القناة المائية موسكفا الڤولكا واعتبرتها ملكا صرفا لها بطولها الذي يزيد عن مئه وثمانية وعشرين كيلومتر وتعمل بتقنية لانظير لها، والتي تم شقها في عام ١٩٣٧م٠

كادت ان تكتب ولادة جديدة ومعاصرة لميناء الفاو من خلال الاتفاقية الصينية العراقية التي هي نسخة وطبعة عربية للاتفاقية الايرانية الصينية التي قدرت بأربعمئة مليار دولار، وكان الفاو روح هذه المبادرة لما يتحلى من موقع استراتيجي فريد يزاحم بقية الموانئ التي لها ريادة دولية، بطاقاته الاستيعابية، وكان من المؤمل بالعشرين مترا عمقا ان يكون واجهة العراق التجارية ورافده الاقتصادي الذي يغير خارطة النقل البحري العالمية، لانه سينقل البضائع من اليابان والصين وجنوب شرق اسيا عامة الى العالم الغربي وبالعكس، وسيوفر للبلد سلالا من العملات الصعبة بالاضافة الى الالاف من الوظائف لخريجي الجامعات والمعاهد والكوادر الوسطى والعمال٠
ولكن حكومة المحاصصة والصدفة والتي هي على مستوى كبير من الهزء والعبثية واللصوصية ادرات ظهرها للاتفاقية او مسودة التفاهم، واكتفت بعمق ١٤ متر واحالت هذا المشروع الذي اثار جدلا كبيرا الى شركة كورية متعثرة بادر رئيسها الى الانتحار٠

انه من الظلم بمكان ان لايملك السياسيون قرارهم ويرهنون مصائر البلد بالاجنبي ويستبدلون الخير الصيني بالادنى المصري والاردني٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( ويتعلمون مايضرهم ولا ينفعهم )٠
صدق الله العلي العظيم٠