التكهن بكيد المرأة بلا تفطن

حامد البياتي

من يقرا كتاب ( الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل في وجه التأويل )، للمفسر الكبير وإمام الحديث واللغة والتاريخ والنحو والمعاني وغيرها، جار الله الزمخشري، يشعر ان الشيطان يكرع من كؤوس المكر النسائي حتى الثمالة، لانه يرى، ان خطاب عزيز مصر ( انه من كيدكن ان كيدكن عظيم ) تعريض بزوجته بعد ان انكشفت له حقيقة خيانتها وخطئها، وانه نسب كيدها ومكرها الشديد التاثير في النفوس والى جنس النساء كله، وقال ايضا، وان كان المكر في الرجال، الا انهن الطف كيدا، وانفذ حيلة، ولهن في ذلك نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال، (ومعنى الكيد ايقاع الضر بالغير وبشئ من التدبير)٠

لاينكر وزن الزمخشري، المعتزلي الاعتقاد، والذي تشد اليه الرحال طلبا لفنونه، ولكن وكما قيل، ان لكل فارس كبوة ولكل سيف نبوة ولكل عالم هفوة، فقول الكيد الذي دمغ النساء هو لحاكم مصر، الوثني، وليس لله سبحانه، وقد وجهه خاصة الى نساء البلاط اللاتي تآمرن مع زوجته للاطاحة بيوسف سلام الله عليه بحبائلهن وكيدهن ومكرهن، والدليل على ذلك السياق القراني، اذ قالت نسوة في المدينة، اي القلة التي قطعن اصابعهن، ثم ان وصف ( العظيم ) الذي ورد على لسانه لايقابل ( الضعيف ) في الشيطان الذي جاء في الاية، وكان ينبغي ان يكون ( قويا )٠

وأما الادعاء بان القران سكت ولم يعقب على وصف العزيز، وينقضه، فذلك واضح، لانه يسبب ارتعاش للبناء الدرامي للقصة ويخرق جمالها، فاسدل الستار على هذا الحدث، وتحركت الكاميرا وبرشاقة بليغة الى مشهد اخر، هذا اولا، وثانيا ان القران لم يعقب في سياقات كثيرة، ومنها على سبيل الاشارة الى قول فرعون وهو يصدح عتوا واستعلاءا ( ما اريكم الا ما ارى وما اهديكم الاسبيل الرشاد )٠
او قوله في قومه ( ونادى فرعون في قومه، قال ياقوم، اليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي )٠
او في قوله ايضا ( ام انا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) في انتقاص لسيدنا موسى عليه السلام٠
وكذلك في قول الشيطان لما قضي الامر ( ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم )٠

واما في شان التعقيب، فقد وردت سياقات كثيرة ايضا ومنها ( فذبحوها، وما كادوا يفعلون ) او في ( فستذكرون مااقول لكم وافوض امري الى الله ان الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئات مامكروا ) او في ( انا ربكم الاعلى )، ( فاخذه الله نكال الاخرة والاولى )٠
وقد وقع اختلاف بين المفسرين في سورة النمل، حينما ارسل سليمان عليه السلام كتابه مع الهدهد الى ملكة سبأ ف ( قالت ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة ) ( وكذلك يفعلون ) ففريق في هذا التعقيب راى ان هذا القول ادلت به بلقيس لاركان حكمها كإخبار عن سوء مغبة القتال من تخريب وقهر وعنوة واهانة للولاة والجنود، وقال الثاني، انه من الله، بينما رجح الثالث انه من كليهما٠

وفي كتاب الكشكول لشيخ الاسلام بهاء الدين العاملي وهو من اكابر العلماء في الاصول والفقه والحديث والفلسفة والكلام والعقيدة والهندسة وعلوم مختلفة اخرى وفي الادب حتى قيل بشأنه انه العربي الوحيد الذي ابدع بالشعر الفارسي، كما ابدع الفارسي سعدي الشيرازي الملقب بزينة الشعراء في الشعر العربي، فله فيه اثارة حسنة اذ ذكر وعلى سبيل النكتة، اني اخاف من النساء اكثر مما اخاف من الشيطان، فاحال هذه التهمة والافتراء والتجني الى كلام البشر٠

ان الطبع السوي والخلقة المستقيمة لاتهضم كون المرأة تجري في عروقها المكيده والمكر، لان كل مولود يولد على الفطرة، فلذلك يحسن التعامل معها بشكل صحيح وبعيد عن التطرف والتعصب والجهل، وينبغي ان يكون فهمنا لها قائم على حسن تدبيرها وذكائها وقوة ملاحظتها، فقد وردت احاديث نبوية شريفة، بانها شقائق الرجال ومصابيح البيوت وخير متاع وان من رزق بصالحة فقد احرز نصف دينه، ففي حضارتنا رائدات اثرت فيها وتركت مفاعيلها التي لا تنتسى، كسيدة نساء العالمين وامها ام المؤمنين خديجة الكبرى التي لولا بذلها المالي لما اخضر عود الاسلام، والمهاجرات الرائدات كاسماء بنت عميس ومن قبلها هاجر وسارى وامرأة فرعون المؤمنة اسيا بنت مزاحم التي ابتهلت الى الله ان يبني لها بيتا في الجنة وينجيها من فرعون وعمله والقوم الظالمين٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( ولاتقف ماليس لك به من علم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١٤/٣/٢٠٢١