الفتاوى منارا ورصاصا او ظلاما وذلا

حامد البياتي

مااروعك ياصادق العترة وانت ترصف كلماتك في نسق بلاغي اسر، لوصف دم سيد الشهداء، بانه سكن الخلد واهتزت له اظلة العرش، فقد صدق الصادق عليه السلام، فدم جده خالدا وسيبقى عبيطا يأكل وجه الطغاة، وكل من والاه ومج نجيعه، فاض عنفوانا، وارتدى اثواب الثورة البيضاء، وامتطى العاديات ضبحا، ومنذ اربعمئة سنة والف مازالت مفاعيل دمه وشحناته وراياته تفتح شهية النفوس التواقة للحرية والكرامة والمجد٠

لقد دخلت بريطانيا العراق في عام ١٩١٧م، وحكمته كسيد وعبيد، وظنته شعبا بلا هوية، فأرسلت قبائل الجنوب والوسط، يستفتون الميرزا محمد تقي الشيرازي الحائري عن تكليفهم الشرعي والديني عن مندوب بريطانيا السير برسي كوكس الذي يراد له ان يكون رئيسا للعراق، فافتاهم ومن وحي الفضاء الحسيني الذي يتنفسه ( ليس لأحد من المسلمين ان ينتخب ويختار غير المسلم للامارة والسلطنة على المسلمين )٠

ولم تمضي الا سنتين لبقاء البسطال البريطاني حتى انطلقت خيول الثورة، وانقلب العراق نارا وحمما على المستعمر، ولم يكن امام بريطانيا الا ان تدس السم للقائد المرجع بعد مرور ثلاثة اشهر فقط ليستشهد وهو في الثمانيات من عمره المبارك، فورث القيادة مجموعة من تلاميذه، مثل السادة، مصطفى الكاشاني ومحسن الحكيم الذي كان يقاتل مع الثوار، وسعيد الحبوبي وغيرهم، حتى ارغموا المستعمر على تأسيس المملكة العراقية الاولى، الا ان الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الثورة رضاها بفيصل الهاشمي ملكا، الذي خلع على العراق لباسا سنيا، وهو اول من وصف التشيع بانه فارسي، وعلى هذا قام بتسفير العلماء ومن ضمنهم السيد ابو الحسن الاصفهاني باعتبار خلفيته الايرانية، فاعترض على ذلك العلامة الخالصي وهو ( خالص العربية والعراقية ) وهدد بالانضمام للمسفرين، فلم يأبه الملك وقام بترحيلهم جميعا، وقد اسس بتصرفه الطائفي الارضية لنشوء القوميين والبعثين٠

ولكن على الضفة الاخرى، نرى ان دولة الجزائر دخلها الاستعمار الفرنسي وخضعها لملكه طيلة اكثر من مئة وسبعين سنة ، ولم ينهض العلماء الذين غمسوا ريشهم واقداحهم في دويات اصناف الفقه، ولم يشهروا فتوى واحدة للمقاومة وصد العدو، ماخلا واحدا وهو الامام عبد الحميد بن باديس وهو من رجال الاصلاح ومؤسس جمعية علماء الجزائر، فالقي القبض عليه ونفي الى سوريا والقى هناك عصاه واستقر به النوى واصبح نسيا منسيا٠

وفي تونس ايضا، فبالرغم من مرور سبعين سنة على احتلالها من قبل المستعمر الجزائري، لم يتحرك علمائها ولا رجال دينها وحوزاتها ووعاضها، ولم يدون لنا التاريخ معشار فتوة تحرض على الجهاد٠
واما في المغرب التي كانت تتكالب عليها قوتين، الاسپانية والفرنسية، فرأى الملك محمد الخامس ان الفرنسي اقل همجية من الاسپاني، فتعاون معه، وادخل البلاد في حكمه، وحينما وجد ان الياته الاستعمارية هي ذات القذارة، اعترض فتم تسفيره الى مدغشقر، واما حفيده محمد السادس الملك الحالي فقد ارتدى نجمة داود وفي وضح النهار٠

وما حدث في ليبيا فهو امر يستحق التوقف، فعندما ثار الزعيم السنوسي عمر المختار ضد الاحتلال الليبي وتحصن بالجبال، جاؤوا اليه كتيبة من العلماء ليقنعوه، ان عمله باطل ولايجوز الاستمرار فيه، لانه مخالف للشريعة التي تنص صراحة وبالخط العريض ان هؤلاء الطليان هم ولاة الامر، وان حكمهم هو حكم الله، والخروج عليهم حرام، لانه يشق عصا المسلمين٠

ولو انتقلنا الى القارة الهندية، ذات الغالبية الهندوسية، والتي خضعت لمئتين سنة للاستعمار البريطاني، لم يحرك اي دين او قومية، ومن ضمنهم السنة وبمذاهبهم الاربعة، اي شاردة ولا واردة، وارتضوا بالطخية العمياء، والوحيد الذي ثار ضد الانگليز هو العالم الشيعي فاتح علي خان والملقب بتيپو سلطان ( ومعناه بالعربية النمر المخطط ) الذي كان يحكم الولايات الهندية الجنوبية، وبقي يقاتل سنتين حتى استشهد في عام ١٧٩٩٠م، وهو من اصل عربي قريشي كما ورد في ترجمته٠

وقد تعرضت ايران الى استعمارين وفي توقيت واحد، فالروس ارسلوا بجحافلهم على شماله وغربه والبريطانين في الجنوب والوسط، فانطلقت فتاوى العلماء وتلاقفها الناس وتفاعلوا معها، فانبرى ميرزا كوجك خان وهو من طلبة العلوم الدينية يقاتل الروس ومتخذ من الغابات قاعدة لعملياته العسكرية حتى عرفت حركته بحركة الغابة، وتمكن من احراز النصر وتشكيل جمهورية الارياف الشمالية ووضع لها دستورا٠
واما في الجنوب فكان ساحة للقبائل الثائرة بقيادة علماء الدين، الذين قاموا الانگليز وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ومازالت عظامهم في مقابر خاصة لهذا اليوم٠

لقد ذكر الله تعالى في قرانه المجيد ( وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا ) ولفظة سيق فيها شدة وجذب والامر واضح اذ لايريد الكفار ان يدخلوا النار بعد ان شاهدوا غضب لهيبها وسواده الحارق، ولكن الملفت ان المؤمنين ايضا سيقوا كما في قوله ( وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا ) وهو امر فيه حيرة وارتجاج، لكن الصادق عليه السلام يرفع الغشاء عن المحتارين، اذ يقول ان الملائكة تنادي المؤمنين جميعا في عرصات المحشر، هلموا لملاقاة الامام الحسين، وحينما ينظرون اليه، يسحرهم جماله وحسن هيئته، وكما نوره، فيذهلوا عن انفسهم ويزهدوا في الجنة وتفيض مقلهم بدموع الحب، ويتسمرون في اماكنهم، حتى تضطر الملائكة في سحبهم بكرامة وعزة كما يصنع صاحب الدار في ضيفه العزيز الذي يطرقه من بعد مدة٠
فسلام الله عليك سيدي ابا الاحرار والشهداء يوم ولدت ويوم قتلت في كربلاء ويو تبعث حيا٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٢٠/٢/٢٠٢١