محاولات عبثية لتجديد الجاهلية البعثية

حامد البياتي

لاينتسى اللقاء الذي جرى في ايلول ١٩٧٩ في هافانا ابان انعقاد مؤتمر عدم الانحياز فيها، بين صدام حسين ووزير الخارجية الايراني الدكتور ابراهيم يزدي وبحضور صلاح عمر العلي الذي كان مندوب العراق لدى الامم المتحدة وعضو القيادة القطرية، وقد كان لحضور يزدي الدبلوماسي المرن له نكهته المميزة، حيث اقترح تبادل الزيارات بين البلدين ورفع مستوى التمثيل وتخفيض التوتر على الحدود، مما ترك بصمة ايجابية وبنائية على صلاح الذي اثنى كثيرا على سعة افق الضيف، فثارت ثائرة صدام وقال بصوت منفعل لصلاح ( يبدو ان الدبلوماسية أفسدتك، لاتكرر مثل هذا الكلام، هذه الفرصة لاتتاح الا مرة كل مائة عام، سأكسر رأس الايرانيين واسترجع كل شبر )٠
وكان صدام يشير الى اتفاقية الجزائر التي وقعها مع شاه ايران لخنق التمرد الكردي٠
لقد اعرب صدام عن دبلوماسية الشقاوة والبلطجة والرعونة، وقام بترجمتها سريعا بتمزيق الاتفاقية واحراق الجغرافية والحدود وقتل مئات الالاف من البشر وتخريب مدن وقرى من الحجر والمدر والوبر٠

وقال البعض لائما، ان ايران هي من استفزت صدام، لانها بشرت بثورتها وارادت تصديرها للمنطقة المحلية والاقليمية والدولية، مما اضطر نظامه مكرها للدفاع عن نفسه ومقارعة الغائلة والسعي لخنقها في مهدها وسريرها، وهو قول خفيف وعلى مستوى كبير من السقم، اذ وطبقا لهذا المنطق الاحول، فان الثورة الفرنسية التي هزت الدنا كان يجب ان تعاقب وتضرب اقدامها بالفلقة وراسها ترجم بالحجارة، لان مبادئها الانسانية ايقظت كل من يشكو حيفا وقهرا وظلما واستعبادا، وكذلك الحال، يصدق مع الثورة البلشفية في روسيا التي اطاحت بالقيصرية المطلقة، والتي غدت افكارها اغاني ايحائية ترددها الشفاه العطشى الى الانعتاق من القيود والاغلال، والامر يصدق ايضا مع الثورة الصينية وبقية الثورات التي كان ينبغي عليها ان لاتطلق مناطيدها الى الفضاء المفتوح، وتخنق انفاسها واصواتها وان تبقيها حبيسة النفس وطي الصدر، ولاتبوح في اذن الغير لاهمسا ولا نجوى٠
وحتى امريكا وطبق هذه المرئية الضيقة، لايجوز لها نشر ثقافتها واخلاقها وتراثها عبر هوليوود وسينماتها وافلامها وفنونها التي دغدغت الشعوب والقبائل والبوادي والحواضر، رغم انها في مجملها ثقافة عنف وجنون وامتهان، فالثورة ياجهلة البعث تنتشر كالصباح رغما عن انف قطع الليل المظلم، وعطرها يضوع رغم انياب الجلاد وسياطه٠

وقال الاخر، ان ايران وجهت برامج تأليبية وتحريضة ضد النظام البعثي في العراق، وخصوصا برنامج عراق اليوم يبحث عن حسين الذي كان يذاع يوميا والذي سبب مزيدا من الحيرة والحرج للسلطة٠
وهذا القول لايقل خطلا واضطرابا عن سابقه، لان صدام حسين زعم وادعى انه ينتمي الى علي بن ابي طالب عليه السلام وذلك في شجرة عائلية اخترعها واعلنها، وشبه نفسه ( معاذ الله ) بالامام الحسين الذي خانوه وتركوه لوحده يقاتل جيش المجرم ابن زياد دون معين ولاناصر، وقد ترجم هذا الانتساب حينما اقبل بوحشية وسادية على قتل حسين العصر المفكر الخالد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه وسلخ الحسينيون وقصف المرقد الحسيني المطهر وصحنه الشريف ومن لاذ بهما، فحجته المنافقه مقطوعة، واثبت عن سبق واصرار وتعمد انه وبجداره سليل اغصان الشجرة الملعونة والخبيثة التي اجتثت من فوق الارض مالها من قرار وهي حسبه واصله وجذعه٠

خوزستان، عروس ايران الثرية والتي تعد بامتياز العماد الاقتصادي لها، والفاتنة، التي خلبت لب صدام، والذي كان يظن، ان هي الا جولة واحدة وتسقط كخوخة حلوة المذاق بيده، وان احتلالها يكشف ظهر ايران ويبتز هيبتها، سيما انها قد خرجت توا من رحم الثورة ومازالت جراحاتها لم تلتئم بعد، بالاضافة الى ذلك فهو في الوقت الذي كان يهاجم ايران ويتهمها بفتح قنواتها الثورية المضادة في العراق، كانت له تنسيقات عميقة ومريبة مع العديد من الحركات العربية في خوزستان من امثال، حركة تحرير عربستان وجبهة تحرير عربستان وجبهة تحرير الاهواز وغيرها من المنظمات البعثية الهوى والمشرب، والتي كانت تشكل معا طابورا خامسا لضرب ايران من الداخل، وحتى يثار النقع في العيون، كان السيناريو ان تعطى خوزستان ظاهرا، في حالة انتصاره، الى شاهبور بختيار لادارتها وهو اخر رئيس وزراء عينه الشاه محمد رضا بهلوي قبل هروبه من الثورة واجنادها وجحافلها وجماحيرها٠

لقد بائت مؤامرة البعث، ومن ورائه اكثر من ٨٤ دولة اعانته وعلى راسها مشايخ الخليج المتصهينين، بالانهزام، وسقطت الاجندات، وبعد حين، قتل راس النظام، وبقيت ديدانه وحشراته، وكان ينبغي القضاء عليها لينجو العراق وكل المنطقة من شرورها ولدغاتها، ولكنها بقيت على قيد التآمر والخيانة، لترتدي زيا منصيا وقاعديا وزرقاويا وداعشيا، وتمكنت من الولوج الى انسجة الدولة الجديدة، لرخو وترهل قياداتها ومؤسساتها ووزاراتها واجهزتها العسكرية والاستخباراتية، واصبحت رقما عميقا وقادرا على اعادة الحياة الى خلاياها الارهابية المنفردة والنائمة لتنفذ ضربات مزدوجة في اي مربع ولو ازدحم بالاجراءات الامنية٠

انه من العي والعورة والعار، ان يشتد تسونامي الصراع والاختلاف بين الكتل السياسية التي تاجرت بالوطن ويتفاقم الى حد التلاسن والتهديد والتسقيط، في الوقت الذي يتم التحالف والاندماج مع عناصر وكيانات بعثية وقوى قريبة منها من اجل الفوز بالانتخابات والمقاعد البرلمانية والحقائب الوزارية السيادية٠
انها فعلا عصابة وقد صدق بول بريمر لاول مرة في حياته حينما وصفها بانها اسؤا من ابناء الشوارع٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١٣/٢/٢٠٢١