الحشد بين التنسيق والتفريق

حامد البياتي

في الوقت الذي نتنافس على براءة اختراع الحشد، ومن هو صاحب رقمه الرسمي ليدخل في موسوعة غينيس القياسية لامتيازه وامتلاكه٠
وفي الوقت الذي نتبارى، من ان حشدنا خير من حشدكم، وهذا الفصيل لنا وهذا لكم، وان شهداؤنا وجرحانا اكثر من شهداؤكم وجرحاكم٠
وفي الوقت الذي نزعم بان حشدنا الاصيل، لانه ابن الفتوى المرجعية، وانه نتاج رحم العتبات المقدسة، ولذا فهو وطني للنخاع، وان حشدكم ولائي وقادم من وراء الحدود فهو فقير العراقية والوطنية٠

لكن عدونا الحاقد والذي يتربص بنا الدوائر، ويود ان نغفل عن اسلحتنا وامتعتنا، ونطرحها عنا، ويدب النزاع والصراع والحرب الباردة والساخنة بيننا، ليميل علينا ميلة واحدة، وحينئذ، لا يبقي لنا من باقية٠

ان صناعة الانتصار صعب المنال، لانه معمد بالدماء ومطرز بالمآسي والدموع ومحفوف بالمخاطر والاستنزاف، ولكن الحفاظ على صدارته وصيانته وصلابته اكثر صعوبة ومشقة، لانه يقتضي، تمام الجهوزية، والحذر، والاستعداد للمناهضة والمجابهة وتحت مختلف الظروف، لذا فلا وقت للترهل والتكاسل، فالحرب لم تضع اوزارها بعد، ولن تضع، مادامت الشياطين والابالسة والنماردة تتميز علينا من الغيض٠

كثيرة هي التجارب التي حققت احزابها وكتلها الانتصار اول امرها، وبعد بذل الغالي والنفيس، من ارواح واموال، الا انها عادت القهقرى، وانقلبت تكفر بعضها بعضا، واضحت بعدما كانت تجمعهم بندقية واحدة، وهدف واحد، تتقاتل فيما بينها بضراوة اشد وعنف افتك، لان كل منهما خبر اوراق ضعف وقوة صاحبه الذي كان يتموضع معه في نفس الخندق٠

والحالة الافغانية فيها فيض من البصائر، لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد، فبعد ان اسقط الملك محمد ظاهر شاه، وغلبة الاشتراكيين والماركسين على الدولة، انطلقت احلام السوفيت للوصول الى مياه الخليج وعدن ومضيق رامهرمز واليحر الاحمر، حيث خزين الطاقة وسفنها ومسارها، وذلك بالتنسيق مع الحكومة الجديدة، فارسلوا جيشهم الاربعيني اليها، لاخماد اي حراك ثوري ومسلح ضدها، وكانت التجربة الاولى لهم في اطلاق قوتهم خارج كتلتهم الحمراء ذات الستار الحديدي، لان الجنرالات ارادوا ان يجربوا حظهم اسوة بالمارينز الامريكي الذي يجول في ادنى الارض واعلاها، ومستثمرين في نفس الوقت التباطئ والتراجع الذي تملك الامريكان بسبب المقاتلين الفيتنام الذين احالوا نهارهم ليلا، ونومهم كوابيسا٠

لقد اتحد اكثر من اربعين فصيلا افغانيا جهاديا لمقاتلة السوفيت، ومن الشيعة والسنة، وقد تبارى الى دعمهم الغرب الاوربي بالسلاح والسعودية والخليج بالاموال وباكستان والصين بالخطط واللوجستيك، وبعد عشر سنوات من القتال الشرس الذي بلغ ضحاياه اكثر من ربع مليون قتيل واضعافه من الجرحى والمزمنين، انتصرت الارادة الافغانية، وانكسر الجيش السوفيتي وعاد مدحورا ذليلا الى موسكو بعد ان ترك اوهام قادته غاطسة في المستنقع الافغاني٠

كان من المفترض ان ينعم الافغان بكل اطيافهم واعراقهم، بثمار النصر المبين، ويسخروه في خدمة وطنهم وتحسينه وانقاذه من براثن الشقاء والشده والشلل، الا انهم انقلبوا على اعقابهم، وانفجر صراع مرير بينهم، وموظفين فيه كل السلاح الذي هزموا به عدوهم، حتى بلغ بهم الضعف شوطا عظيما، فاخرجت لهم امريكا التي كانت تريد من افغانستان ان تكون ممرا هادءا الى نفوذها التقليدي في الخليج، بعد ان خسرت ايران، حركة الطالبان لتتولى امرهم جميعا، فاكثرت فيهم الذبح وشردت بهم في الفجاج والجبال، حتى كتب لها الهيمنة والنفوذ على رقعة كبيرة من الجغرافية٠

اننا امام مشهد ارتج علينا امره، وارخى علينا همه وبلاؤه، وما تصورنا يوما ان يصاب، حشدنا المقدس الذي تشبثنا به وبكل قوانا النظامية الاخرى ليحقق رجائنا الامني والسلمي والاهلي، بآفة الانقسام والتشرذم، وفيروس الجهوية والحزبية الضيقة، سيما والعدو يحيط بنا بدوائره العديدة وقد اضاف اليها دائرة الحراك الجوكري الذي فيه من الخطورة بمكان، وذلك باعتباره تيارا شيعيا، مدعيا شعارات الاصلاح والعدالة والحقوق ظاهرا، ومعمقا اصناف الرذيلة والفساد نية وباطنا٠

ياابناء الحشد الانقياء، اتركوها فانها جاهلية نتنة، وعوراء مشيطنة، فالعدو حينما يرسل قذائفه اليكم، لايفرق بين احد منكم، فاينما يصيب من فصائلكم الطاهرة، فهو فتح له وفوز وانتصار عليكم، وتغول يزيد من شرهه وشرره بكم، فلا تعطوه الفرصة، واغلقوا بوجهه الثغور، ورصوا من لحمتكم ووحدتكم، وامعنوا في تثخينه بالجراح، فان امتكم تراهن عليكم وتتطاول بلونكم وتتوج راسها بشهامتكم وفروسيتكم وانسانيتكم٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( ياايها الذين امنوا لاتتخذوا عدوي وعدوكم اولياء )٠
صدق الله العلي العظيم٠