نهاية البقاء الفناء

حامد البياتي

وسط ذهول العالم وصدمته، سقط الاتحاد السوفيتي الذي كان يرمز له ب ( cccp ) وسحقت عراه، وتفتت الى ست عشرة دولة، ودخل معظمها في صراعات عدائية وحدودية وجغرافية وقومية، وكانها لم ترضع من ثدي اشتراكي واحد، ولم تدرج في حضن واحد، ولم تتكلم لغة واحدة، ولم يجمعها مصير وهدف واحد ومنذ ان تاسس اتحادهم عام ١٩٢٢ وحتى مصرعه في سنة ١٩٩١وعلى يد الحاكم الثامن، وهوميخائيل غورباتشوف، وقد تم انزال علم الاتحاد السوفيتي الاحمر عن مبنى الكرملين للمرة الاخيرة ورفع محله علم روسيا الثلاثي الالوان عقب خطاب الاستقلال الذي اعلنه الى الشعب السوفيتي، وكان الفيلسوف الفرنسي، ايمانويل تود، من اوائل من تنبأ بهذا الانهيار٠

ليست قارورة الانقسام هذه، الوحيدة التي حدثت في كوكبنا الارضي فقد انفصلت تشيكوسلوفاكيا الى جمهورية التشيك وجمهورية السلوفاك في ١٩٩٢، وانقسم الاتحاد اليوغسلافي الى سلوفينيا ومقدونيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وصربيا والجبل الاسد، وكذلك تم انفصال، ومن قبل، دول امريكا اللاتينية باجمعها عن اسپانيا المحتلة لها والتي دامت العلاقة بينهما باكثر من ٣٠٠ عام، حيث فرض الاسبان لغتهم وفنونهم وثقافتهم عليها، ولم تنفك، الا بعد ان انهزمت القوة الاسبانية التي كانت سيدة البحار امام الاسطول البريطاني، فاستغلت امريكا الجنوبية تراخي القبضة الاسبانية عنها فاعلنت طلاقها وتحررها، ماعدا البرازيل التي لم تنطوي تحت التاج الاسباني لانها كانت محتلة من البرتغال لذلك لم تتكلم بلغة الاسبان وانما بلغة البرتغالين٠

وان قيل، ان الجمهوريات التي الفت الاتحاد السوفيتي واليوغسلافي واللاتيني وغيرها كانت مختلفة العروق ومتباينة القوميات ومتضاربة العناصر لهذا انهارت، ولو سلمنا جدلا بهذا المنطق، قلنا ان الانگليز هم انفسهم من بنى امريكا وشيد مستعمراتها ومدنها وحقولها، حتى اسموها اول الامر بنيوانگلند اي ( انكلترا الجديدة )، الا ان الامريكين الجدد ورغم اصولهم البريطانية عرقا وبروستانيا دينا، ثاروا ضد البريطانين المستعمرين، بين عامي ( ١٧٧٥-١٧٨٣ )، واستمروا في الحرب نحو ٨ سنوات، وادعى الجانبان النصر فيها، وتمخضت عنها، استقلالا كاملا للولايات المتحدة الامريكية والغاءا لحكم بريطانيا العظمى والملك جورج الثالث الذي كان يصر بتاجه وعرشه وضرائبه على الامريكين ، ولم تكن هذه الثورة ناعمة وسهلة، فقد جللتها الدماء، وقد تالق فيها واشنطن في قيادةالشعب الامريكي ضد الجيوش الانكليزية٠
ونقول ايضا، ان الانكليز هم من صنعوا استراليا، ولكن القارة اليوم كاملة الانفصال وتامة الاستقلال والسيادة عن الجزيرة البريطانية، والعلاقة بينهما متكافئة وتبادلية وليس فيها سيد ومسيود، والامر يتكرر مع كندا، ماخلا اقليم الكيبك الفرنسي، فالبريطانيون هم اباء الكنديون، الا ان كندا انفصلت واختارت علمها وهويتها الحرة التي تتميز بها٠

ان اقيونات لامعة في عالم السياسة والاستراتيجية والعلاقات الدولية، صرحوا وكتبوا بان امريكا سوف تنهار وتتفتت ، وهؤلاء ليسوا عرافيين ولا منجمين ولاضاربين في الرمل ولا مدبجي اسطورات، فمنهم الفيلسوف الفرنسي ايمانويل تود عبر عن ذلك في كتابه ( مابعد الامبراطورية انهيار النظام الامريكي )، وعالم الاجتماع النرويجي يوهان جالتونج المختص بعلوم السلام والذي تنبأ بانحسار دور الولايات المتحده بوصفها امبراطورية في ٢٠٢٥ ثم عاد وعدل توقعه ابان حكم جورج بوش الابن ليكون في ٢٠٢٠ وهو يرى الان ان ترامب سيسرع من عملية الانهيار الامريكي، وقد توقع سابقا بالثورة الايرانية والمظاهرات الصينية وباحداث ١١ سبتمبر، وغورباتشوف نفسه تكهن منذ عدة اعوام بتفككها ومواجهتها لنفس مصير بلاده، وجيم ريكاردز المستشار المالي الكبير الذي يرى قرب الانهيار الاقتصادي لها، وغيرهم الكثير٠

ويشير استطلاعا للراى اجرته وكالة رويترز مع مؤسسة ابسوس قبل بضع سنين، ان قرابة ربع سكان الولايات المتحدة الامريكية يؤيدون فكرة الانفصال بولاياتهم عن الاتحاد الامريكي، وبين الاستطلاع ان الجمهوريين وسكان الولايات الزراعية الغربية اكثر تقبلا للفكرة٠

لاشك ان للاقتصاد وعوامل اخرى كالعنصرية والشعبوية واليمينية المتطرفة والانجيلية الراديكالية، فعل السحر في مشروعات الانفصال، فالولايات الغنية ينغصها مشاطرة الاخريات في ثرواتها، فتنزع الى الانفصال، كما لمس ذلك واضحا في كاليفورنياالشهيرة بشركاتها المتعددة في السلاح والادوية والحواسيب والسينما والطاقة، والحال يصدق في شيكاغو وهيوستن وسياتل وبوسطن وغيرها٠

ليس العجب في بقاء اواصر الولايات ولحمتها ليومنا الراهن، انما العجب هو عدم انفراطها وتباعد نسيجها، فاسكتلندا رفعت رايات الانفصال حينما اغتنت ببترول بحر الشمال وهي جزء من الجسد البريطاني ويجري في عروقها ذات الروح التي تجري في بريطانيا، في حين ان كالفورنيا المنتزعة من المكسيك قهرا، من حقها ان تظن بمالها وثروتها وكنوزها، ولاتنفقه على من تعتبره السبب في سبها وسبيها وسلبها٠

قال تعالى في محكم كتابه المجيد ( لكل امة اجل فاذا جاء اجلهم لايستاخرون ساعة ولا يستقدمون )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٨/١٢/٢٠٢٠