الانظمة التوسعية مآلها الرزية

حامد البياتي

نقلت الركبان اليسارية والاشتراكية والشيوعية والى ادنى الارض واقصاها، اطروحة المادية التاريخية لنبيهم كارل ماركس، وكأنها نص مقدس لايرتقي اليها الشك ولاينحدر عليها العيب، وقد ابان فيها الادوار الخمسة التي مرت بالبشرية، مبتدءا بالاشتراكية الاولى ثم العبيد ثم الاقطاع ثم الراسمالية واخيرا الشيوعية الثانية، واعتبر هذا التقسيم حتما مقضيا، وقضاءا وقدرا، لامناص من التملص من جبروته وقيوده٠

الا ان علماء الاجتماع الذين قرؤا سنن الحياة واستنطقوا التاريخ وتعاطوا مع الواقع، رصدوا في هذه النظرية اكثر من عشرين خرما وثقبا وخرقا، وسنتناول في هذه المقالة ثلاثة منها فقط٠
اولا، ماورد فيها، ان الكوكب برمته قد دخل في نظام العبيد، يكذبه حال كثير من الدول التي نأت بنفسها عنه، كايران ومنغوليا والصين وروسيا وجزيرة العرب ( والمقصود بنظام العبيد كما في مرئيات ماركس انه الدولاب الاقتصادي الذي يدور بزنود العبيد )٠

ثانيا، ان ادوات الانتاج والياته وتقنياته هي التي تنتج النظام الاقتصادي ونوعه، ولكن الواقع كذب هذا التنظير، فمعظم دول اوربا الوسطى والغربية تحولت الى النظام الاقطاعي بعد ان غادرت نظام العبيد وبنفس المحركات الاقتصادية والتي هي الطبيعة والارض والطبقة العاملة ومع ذلك تولد نظاما جديدا٠

ثالثا، ان دولا طفرت من حالة الاقطاع الى الشيوعية دون ان تمر في مرحلة الراسمالية مثل الاتحاد السوفيتي والصين مما شكل حرجا كبيرا للنظرية التي ادعت العصمة٠

واما فرانسيس فوكوياما، السياسي الكبير والفيلسوف الشهير، واستاذ الجامعات والمنصات، فقد طرح نظرية نهاية التاريخ بعد انتشار قيم الليبرالية وثقافة الديمقراطية الغربية باعتبارها البديل الحضاري لمختلف الانظمة في انحاء العالم، وقد كتب هذا التلميذ المستشرق نظريته في عام ١٩٩٢ بعد انتصار اوربا وامريكا على الاتحاد السوفيتي وانتهاء فترة الحرب الباردة، وقد رحب العالم الغربي بها وواصل تصفيقه وتهليله وتسويقه، ومحشدا في سبيلها اساطين قنواته الاعلامية والفلسفية والتنظيرية، لاجل ايهام العالم بان الراسمالية هي السقف الذي ينشده العالم وليست الشيوعية التي سدل عليها الستار، وقد اعتمد في بناء نظريته هذه على افكار هيجل الذي كان يتقاطع مع كارل ماركس٠

ولكن ما ان يتجول المراقب في الواقع يجد في نسيج هذه الاطروحة ثقوبا عديدة، منها، ان الانظمة الشيوعية مازالت على قيد الحياة وحاكمة في عدد من البلدان ككوبا وكوريا الشمالية ولاوس وحتى الصين التي تتبنى نظاما اقتصاديا راسماليا منفتحا في حين تدار من قبل حكومة تتعاطى الشيوعية المركزية من اصابع اقدامها الى شعر راسها، كما ان هناك دولا على الرغم من كونها رسميا غير شيوعية الا ان ذواقه لها وتواقة اليها، كبوليفيا وفنزويلا ونيكاراغوا، وحتى البرازيل كادت ان تسقط في حضن اليساريين الذين كانوا على بعد رمح من الانتصار الانتخابي٠

ثم ان النظام الراسمالي اليوم والمتمثل في الامبراطورية الامريكية، بدا يعاني من فطور وتشققات وانقسامات، وقد ازاحت الانتخابات الاخيرة اللثام عن عورات كثيرة كالطائفية وقهر السود وصراعات الملونيين والاقليات، وقد ظهرت خشية جادة من تفككها، اذ حدث تململا كبيرا في كاليفورنيا الثرية التي توزع حصصا من اموالها وطبقا للقوانين الفدرالية،على الولايات الفقيرة، فتنادى شعبها مرات للعديدة للانفصال وفي مظاهراته الاخيرة حرق العلم الامريكي، وفي تكساس جرى الحال عينه، وربما تنتقل العدوى الى بقية الولايات فينفرط العقد وتتساقط الحبات٠

لقد شهدت الحياة قيام امبراطوريات عديدة استمرت لمئات السنين ثم انهارت كالمصرية والرومية والصينية والفارسية وغيرها وبسبب جورها وفسادها وعنفها ودمويتها، والامبراطورية الامريكية التي سببت وجع وفتكا للكثير من البلدان والعباد ستخضع الى هذه الحتمية التي بدأت ارهاصاتها ومقدماتها وبواكيرها تظهر على وجهها الذي كثر فيه الندوب والتجاعيد والاورام٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( حتى اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٢١/١١/٢٠٢٠