الخيانة والامية في الطامة المالية

حامد البياتي

ما ان نفتح حقيبة الاقتصاد حتى تصادفنا المزيد من المصطلحات التي لاغنى لاي عامل في هذا الحقل ان يكون ملما بها على اقل تقدير، ان لم يكن حرفيا بها وخبيرا بمفاعيلها ومفاتيحها واسرارها، ولهذا يقتضي بالدولة التي تريد ان تنعش حركتها الاقتصادية وتبعدها عن الانكماش والركود والكساد ان تستعين بمثل هؤلاء الذين يجيدون المجالدة والمنافسة والنفس الطويل في تسويق انتاجها المحلي والاجمالي والخدماتي٠

ومن اهم هذه المصطلحات، الميزان التجاري، والصادرات والواردات، والانفاق الاستهلاكي، والاقتصاد الاشتراكي والشيوعي والراسمالي، والخصخصة، والنمو والتنمية، والميزانية والموازنة، والعملة التي تعتبر الرافعة المالية، والاسهم والبورصات، وسندات الدولة ( باعتبارها ديون الدول او الشركات ) القصيرة الاجل والطويلة مع كيفية احتساب عائدها وسعرها، والعقود الاجلة والعاجلة للسلع، والعوامل التي تؤثر على اثمان الذهب والطاقة، وغيرها وكذلك الاحتياط النقدي من العملات الاجنبية التي تودع اصولها في البنوك المركزية، والتي تعتبر البارومتر للاستقرار المالي، والدرع والدرقة للدولة، ومنذ فجر التاريخ وظهور الامبراطوريات والامم، استخدم هذا الاحتياط او الخزينة او التوفير او الادخار او سمه ماشئت فلا مشاحة في الالفاظ٠

فالساسانيون استخدموه في بناء السدود على دجلة وتشيد المدن والطرق والقلاع على الحدود وتشكيل الجيوش وتمويل الحروب ، وكذلك كان صنيع الفرس به والرومان والقياصرة وغيرهم٠

ونبينا يوسف عليه السلام، وفي ايام القحط والغلاء، عمد الى التوفير، اذ امر قومه ان يزرعوا سبع سنين دابا، وحينما يحصدون من الزرع يذروه في سنبله ويخزنونه في صوامع اعدت له، الا قليلا ماياكلون وبلا اسراف٠

وقد احسن توظيفه امير المؤمنين عليه السلام، اذ كان يدفع منه الديات، ويسدد ديون من عجز عن الايفاء، ورعاية اليتامى والايامى، ويعين من اولق به الفقر كما في حكاية اليهودي الذي راه يستجدي في سكك الكوفة، فقال ماهذا، فقيل له انه يهودي قد شاخ واصيب في بصره فاخذ يستكفف الناس، فقال سلام عليه قولته الذهبية التي دخلت التاريخ الانساني من اوسع ابوابه، تستعملوه حتى اذا كبر وعجز منعتموه، فأمر ان يجرى عليه عطاءا من بيت المال٠

ويذكر في اخبار دولة الاندلس ( جزيرة ايبريه ) والتي حكمها المسلمون مايقارن ستة قرون ونصف، اذ كان حجابها ( اي رؤوساء وزرائها ) يضنون بثلث موارد الدولة للادخار، وما كانوا يقربوها الا في الموارد الحرجة مثل الحروب والكوارث وماشابه، فوصفت دولتهم ومن قبل اعدائها النصارى بالفردوس٠
وحتى حكام الامبراطورية العباسية وخصوصا فاسقها الكبير هارون الرشيد، حيث كانوا يخلعون الصلات والجوائز على من يمدحهم من الشعراء والمتزلفين والمرتزقة من هذا الادخار، بالاضافة الى الانفاق الذي يقتضي حماية وصيانة اطراف الدولة الواسعة الجغرافية، والبعيدة الثغور٠

ولكن في العراق كان العكس، اذ انقض اللصوص الجدد على احتياطيه الاستراتيجي، وجعلوه فرهودا مستباحا منتهكا، حتى بلغ الامر في زمن رئيس وزرائه المخابراتي الذي لايحسن من لغة الضاد جملة واحدة، ان يفرض الفاقة والعوز على شعبه في مؤامرة الرواتب ولم يكتفي بذلك وانما استهوته الشياطين ان يضع العراق بما يحمل من عمق روحي وقدسي وتراثي على مائدة التطبيع للكيان اللقيط، بل وزاد في عتوه وتغوله في الباطل ان يطمح ببيع ارض العراق الغالي لوحوش ال عبد العزيز والوهابية لاستثماره، ليجعلوه وشعبه، رهنا في اغلالهم واصرهم وخبثهم، منقلبا على مسودة الاتفاق التي جرت مع الصين التي تعهدت باصلاح البنية التحتية له وربطه كاحدى البوابات التي تدر عليه ذهبا وفضة في طريقها الحريري الذي يمر في اكثر من مئة وثلاثين دولة٠

انها العمالة الغبية التي تستبدل الذي هو خير بالذي هو ادنى، والتي كافئت عدوا كانت كل مواهبه التفنن في سفك دمائنا وتفجير وطننا واحياء لعبة الكراهية بين طوائفنا٠
ينبغي على ساسة العراق ان يطالبوا السعودية بالاعتراف بدورها السلبي والذي مازال قائما وان يكفروا ويعوضوا اهالي الضحايا الذين سقطوا بايدي ارهابيهم قبل هذا الانفتاح المزعوم الذي اوحى به الامريكان، ونحن على يقين انما هو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وما نحن بحمد الله ومننه بعطاشى الى مائهم المالح الاجاج٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
١٠/١١/٢٠٢٠