رأي خاص فيما ورد من إرهاص

حامد البياتي

لقد جرت سنة الله تعالى في خلقه، بان الشئ النافع والجليل تسبقه مقدمات وارهاصات قبل وقوعه، ومما نعتقده، في ان البشرية لم ترزق قطعا احدا اكرم من الرسول المعظم صلى الله عليه واله، فكما هو المعلوم ان الانبياء بعثوا غياثا ورحمة للخلق، فكيف بسيدهم وامامهم واحسنهم خلقا ومنطقا وعلما، محمد بن عبد الله، والتي سبقت مولده ثمة،ارهاصات، تنبئ عن باطل ونقمة ستزول ونعمة ورحمة ستقع وينبغي ان تكون على عظيم قدره وجليل شرفه وعلو كعبه٠

وقد وردت ارهاصات كثيرة، فمنها ماهو غير ناهض وليس فيه اثارة من علم او توثيق من تحقيق، فقد قيل، ان انهزام الروم من قبل الفرس اول الامر وانتصارها على الفرس بعد بضع سنين والذي يسبب فرح كبير للمؤمنين باعتبار ان الروم اهل كتاب والفرس من المجوس وبذلك فانه يبيح للايمان التمدد على مواقع جديدة في المشروع الالهي٠
وهذا الخبر وكما يقول اهل المنطق، سالبة بانتفاء الموضوع، لان هذا الامر قد وقع بعد البعثة النبوية، فحينما كان النبي في مكة خسرت الروم وربحت حينما كان في المدينة المنورة٠

وقيل، ان انكسار ابرهة الحبشي في طريقه لهدم بيت الله الحرام في نفس العام الذي ولد فيه رسول الله يعد ارهاصا كبيرا على نبوته، فبالرغم من كتابية الحبشة ونصرانيتها فقد انهزمت امام شرك العرب ووثنيتهم،
ولكن هذا ايضا ادعاءا يفتقر الى الدليل، ولم تأتي على تأيده رواية او حديث تشير على ذلك، وانما الذي حصل ان الله تعالى دافع عن بيته العتيق اظهارا لحرمته وكرامته وقدسيته وغضبا على التجبر والتكبر للجيش الغازي٠

وقيل، ان بئر زمزم الذي طوي ودفنت مائه فتم حفره لتنبع المياه من جديد على يد عبد المطلب ( شيبة الحمد ) رضوان الله عليه وهو جد النبي الذي هتف باسمه يوم حنين حينما قال انا النبي لاكذب انا ابن عبد المطلب، فقد اعتبر هو الاخر ارهاصا وتوطئة للنبي الذي سيخرج من ذرية٠
لكن هذا الخبر يحمل سؤددية للجد الذي يعتبر بحق سيد البطحاء وكريمها ومغيثها وسيد من مشى عليها حافيا ومنتعلا٠
وكذلك ثمة امور اخرى ذكرت من قبيل خمود نار المجوس وسقوط الشرفات من ايوان كسرى وانكباب الاصنام على وجوهها وغور بحر ساوة، فان اثباتها عسير ومن الصعوبة بمكان وانها اقرب لنسج الخيال٠

لقد اضطلع التاريخ باثبات ارهاصين على نبوة محمد صلى الله عليه واله ( وذلك بوسع علمنا )، فجده السابع وهو كعب بن لؤي الذي كان يجمع قومه في يوم الجمعة التي كانت تسميه قريشا العروبة، فيخطب فيهم ليعمق حضور الباري في قلوبهم وينشر فيهم مكارم الاخلاق والفضيلة ويذكرهم بالحياة الاخرى، وقد كانت له خطبا كثيرة اشار فيها بصراحة الى نبوة محمد، الذي يخبر اخبارا صدوق خبيرها، اذ يقول في بعضها، والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الجمل، ويقول ايضا، ياليتني شاهدا نجواء دعوته حين العشيرة تبغي الحق خذلانا، وكان بين موت كعب ومبعث النبي صلى الله عليه واله خمسمائة عام وستون سنة٠

واما الثاني، فحينما اشتد القحط بقريش ومنعت السماء قطرها وبركاتها، فجاء عبد المطلب وهو سيد القوم وقد رفع محمدا ملفوفا في قماطه متوسلا الى الله به فجادت عليهم الغيوم وكانها القرب، حتى صدحت شاعرية ابو طالب عليه السلام لتملأ الوادي بابياته المعروفة٠
وابيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للارامل
تطوف به الهلاك من ال هاشم
فهم عنده في نعمة وخواضر
الم تعلموا انا وجدنا محمدا
رسولا كموسى خط في اول الكتب
وان اليه في العباد محبة
ولاحيف فيمن خصه الله بالحب٠

ان تخصيصنا لهذين الواقعتين لثبوتهما في التاريخ ومن حجتين معصومتين من سلسة اجداد النبي التي اتفق على حجية بعض منهم، كعبد المطلب وهاشم وكعب وعبد مناف وقصي والياس وعدنان٠
فسلام الله عليهم اجمعين يوم ولدوا ويوم ماتوا ويوم يبعثون احياءا٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( ولاتقف ماليس لك به من علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٣/١١/٢٠٢٠