مأزق الدبلوماسية الأمريكية

محمد صادق الهاشمي

من المؤكد أن أمريكا تريد البقاء في العراق، ومن المؤكد لها مصالحها المرحلية والاستراتيجية أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، إلا أنها وعبر كل السنوات التي مرت لم تتمكن أن تثبت أنها قادرة على البقاء في العراق بنحو مستقر، ولإيضاح الأمر هنا عدد من النقاط:

أولاً: المؤشرات البحثية والمعطيات تدل على أن الاتفاقات التي وقعتها أمريكا مع الجانب العراقي عام 2008 (اتفاقية صوفا، وسافا) كانت مضطرة لها؛ بسبب الضغط الداخلي والخارجي كون مقررات مجلس الامن فرضت عليها الخروج من العراق فاضطرت إلى الخروج عبر اتفاقية. وبالتالي هذا مؤشرعلى الفشل في الدبلوماسية الامريكية؛ لأنها لم تتمكن إقناع الأطراف العراقية والدولية والاقليمية في البقاء من خلال تشريك علاقات مهمة واقتصادية واستثمارية يتيح الدفاع عنها ممن يؤيد بقاءها.

ثانيا: كررت أمريكا العودة إلى العراق تحت غطاء التحالف الدولي وبقي وجودها مرتهن ببقاء التحدي الداعشي ومن الطبيعي ينتهي بنهايته، لذا احتدم الجدل والصراع عن مصير هذه القوات الامريكية عام 2016، وهو مستمر إلى الآن مع تغير الحكومات، وأيضا هو مؤشر مضاف إلى أن الدبلوماسية الأمريكية فاشلة في تبرير وجودها قياسا إلى التواجد الروسي في سوريا والمنطقة، والصيني عبر خط الحرير الحالي والواعد، والذي قد يرسم خريطة العالم بأسره .

ثالثا: أجرت أمريكا حواراً بينها وبين العراق حول مصير قواتها في العراق، ولم تسفر هذه الحوارات إلى الآن بمخرجات دبلوماسية واضحة تجعل وجودها يمتلك الصفة القانونية، ومن هنا فإن تواجدها إلى الآن لم يمتلك الصفة الواضحة والغطاء القانوني أي أن قواتها لايمكن تعريفها إلى الآن.

رابعا: حاولت أن تمرر صفة التواجد عبر الاتفاق المباشر مع الحكومة العراقية إلا أن هذا يتعارض مع القرار البرلماني المتخذ بتاريخ 5/2/2020, وهو قرار مؤثر مالم يتم نقضه وهو بعيد.

خامسا: كل هذه الحقائق تثبت أن أمريكا فشلت في تمرير تواجدها في العراق عبر غطاء قانوني؛ لذا يلاحظ المراقبون أنها مرتبكة وتصريحات المسؤول الامريكي تتردد بين الإعلان عن المغادرة، أو فرض التواجد بالقوة، أو الاستعانة بالأطراف العراقية لتامين بقائها، والحال لا يمكن لأمريكا الاعتماد على الأطراف والجهات السياسية والحكومية العراقية في البقاء؛ لأن الواقع العراقي منقسم إلى ثلاث جهات: فمنهم من يؤمن ببقاء القوات الامريكية، ومنهم من يرفض التواجد ولكن يعتقد أن الحل ياتي ضمن الحوار الدبلوماسي، ومنهم من يرى الحل العسكري.

أمام هذا الواقع الداخلي لا يمكن لأمريكا أن تعتقد بإمكانية فرض وجودها بالاعتماد على طرف دون آخر.

سادسا: ربما حكومة ترامب محرجة انتخابياً من سيناريو خسارة هيلاري كلنتون، بعد أن هزمت انتخابيا بسبب ضرب السفارة الأمريكية في ليبيا، ومن الطبيعي أن المواطن الامريكي يطرح السؤال الملح على حكومة ترامب عن عدم إمكانية تأمين الوجود وقوة الضربات للقواعد الامريكية وهو مؤشر على فشل الدبلوماسية الأمريكية.

سابعا: يقال أن الجانب الأمريكي قادر أن يلعب بورقة الاقتصاد حال الانسحاب مما يعرض العراق إلى أزمة داخلية اقتصادياً، لكن هذه الفرضية لا تصمد قوياً في العراق كون الباب مفتوحا إلى الروس والصين وإيران والهند وتركيا، ثم ياتي الكلام من المواطن العراقي الآن – عبر الاستبيانات – مالذي قدمته أمريكا للعراق الآن في مجال الطاقة، ولعلاج أزمته الاقتصادية بسبب هبوط أسعار النفط الخام وتفشي كورونا وغيرها؟، ثم أين المشاريع الاقتصادية الأمريكية في مجال التنمية والاعمار والاستثمار حتى يكون رافعة لمن يدافع عنها بل العكس كان تواجدها موسوماً بأزمات داخلية.