من علامات الانهيار الاصرار على الكبار والاوزار

حامد البياتي

رمم هالكة شاب شعرها ووهن عظمها ونخر الزهايمر راسها بفعل هراوة الزمن التي لاتكف عن الطرق، ومع ذلك تكلست على السلطة والحكم واحترفته، ولم يقلعها الى لحودها سوى ملك الموت واعوانه، تلكم باختصار قصة زعماء الاتحاد السوفيتي الذي انهار وتلاشى على ايديهم المرتعشة٠

فنظرة سريعة للرؤساء ومن جوزيف ستالين الى جورجي مالينكوف والى نيكيتا خروتشوف والى ليونيد بريجنيف الذين حكموا الى نهاية العمر ماعدا خروتشوف الذي اطيح به بالتآمرعليه، ثم جاء كل من يوري اندريوف وقسطنطين تشيرنينكو ولكبرهما، فلم يحكما الاسنة واحدة مما اضطرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بعد ان غمرها الخجل والحرج، ان تغض الطرف عن الموميات التي تنتظر دورها للحكم، وتلتفت الى جيل الشباب، ولكن بعد خراب البصرة، لتختار منه، ميخائيل غورباتشوف ( ١٩٨٥-١٩٩١ ) الذي بشر بالبريسترويكا ( اعادة البناء ) والذي حصل بسببها على جائزة نوبل في عام ١٩٩٠، والتي اعطت ثمارها في عام ١٩٩١ بتوارى الاتحاد السوفيتي في صفحات التاريخ، وانحلال جمهورياته، وتفككت لحمته، وجعله اثرا بعد ان كان عينا٠

لانعني ان انهيار هذه الكتلة التي تشاطرت العالم مع الحلف الغربي، بسبب وفقط الشيوخ الطاعنين الذين حكموه فقط، وانما هناك اسبابا كثيرة، منها، فساد الحزب وطبقاته، والحرب الباردة ومعارك النجوم التي كان يخوضها ضد عدوه، وانهيار الاقتصاد وعوامل اخرى ذكرها كتاب الامبراطورية الاخيرة لسيرغي بلوخي استاذ التاريخ الاوكراني في جامعة هارفارد الامريكية، والمكون من ١٨ فصلا، وقد ذكر فيه موت الحزب الشيوعي السوفيتي اكلينيكيا بسبب الخروج الجماعي من الفلاحين والعمال الذين غادروا صفوفه مما اثار قلق كبير للحزب الذي كان يفخر بانحيازه للبروليتاريا ولكن الاخطر من هذا كما يقول، هو خروج المثقفين الواعدين الرائدين منه، كما يتصور الكاتب٠

ولكن ربما صدقت مقولة، لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا ولو دخلوا حجر ضب تبعتموهم، على الامريكان انفسهم، فلدورتين انتخابتين، تنافسا على المكتب البيضاوي، ومن الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، من فئة الشيبة وكبار السن، فالسباق الماضي كان بين العجوز المتصابية هيلاري كلنتون والمراهق السبعيني دونالد ترامب، واليوم يشهد المسرح الانتخابي شيخين هما في ارذل العمر، ولايكادان يعلمان شيئا من بعد علم، اذ اقتربا من سقف الثمانين، واصبحا هدفا لسهام الاسقام والعلل، وربما لم يسع العمر لاحدهما او كليهما ليواصلوا مشوار الاقتراع٠

يبدو ان المتنافسين يمثلون الحالة الامريكية بامتياز، فالولايات المتحدة غادرت شبابها ودخلت في خريف عمرها، منذ ان ظهر خصما لها، عنيدا وثابتا، وثريا ومنتجا، وهو مصر على انتزاع مخالبها واظافرها واسنانها، وفي احسن الاحوال مشاركا لها في كل المناطق التي كانت ميدانا لغطرستها وبلطجتها وشقاوتها٠

لايمكن للزمن ان يرجع للوراء، فامريكا في القرن التاسع عشر المتغولة التي شغلت الناس وجعلت العالم على مزاجها ومقاسها وخصوصا بعد انصهار الاتحاد السوفيتي، فقدت اليوم عافيتها وزعامتها، حيث وهن دولارها واقتصادها، وما عادت اساطيلها ترعد وتزبد، وفقدت وزنها حتى في الامم المتحدة ومجلس امنها، وما خروج حتى حلفائها اخيرا في ملف تصدير الاسلحة الى ايران الا دلالة على ذلك، وبلغت من الضعف مكانا بحيث تخشى على انتخابتها من تلاعب الصين وروسيا بها، وهي تولول من وجعها هذا ليلا ونهارا، بعد ان كانت تلعب بمصائر البلاد والعباد٠

دوام الحال من المحال، والايام دول، وهاهي الحياة تشهد بزوغ دول وقوى شابة، ترسم لها بوصلتها وتعيد تراكيبها واولوياتها، وما عادت المراتب الاولى فيها حكرا وحصرا لدولة الكابوي او راعي البقر٠

وفي تراثنا النبوي الزاهر وفيما يتعلق باعطاء الفرصة للشباب لهمتهم وطموحهم وقدرتهم على الصراع والمجالدة، عين صلى الله عليه واله وسلم، اسامة بن زيد اميرا على اخطر جيش يرسله للشام لقتال الروم، وهو شاب لم يبلغ العقدين من العمر، ووضع تحت قيادته كبار مايسمى الصحابة ومن ضمنهم الشيخين ابو بكر وعمر الذين ماطلوا كثيرا واحتجوا، ولطموا على رؤوسهم وصدورهم وادبارهم، وحاولوا ان يغيروا راي الرسول الاعظم، ولكنه اصر عليه ولعن من تخلف عنه، ومن قبل، كان قد نصب خليفة عنه وهو علي بن ابي طالب عليه السلام وهو في عمر الفتوة وشرخ الشباب٠
قال نبينا الذي فدته النفوس ( بهت قوم جلسوا في غير مراتبهم )٠
صدق الرسول الاكرم صلى الله عليه واله٠
٣١/٨/٢٠٢٠