مدارس ترجلت وانصهرت والامامية على الصهوات

حامد البياتي

تنافست على الساحة الاسلامية ومنذ نهاية القرن الهجري الاول العديد من المدارس والتيارات والفرق ومن ورائها مجتمعاتها ومريديها، وكل منها تدعي وصلا بالاسلام وترى انها الاحق به والأولى من غيرها، وبعض منها كانت السلطات تتبناها وتنشر عليها عبائتها وتفرض مرئياتها على الناس طوعا وبالسياط عندما تتمرد وكلما اقتضت ضرورتها العقائدية والسياسية ذلك، ومع هذا فانها لم تستطيع الصمود ولم تحافظ على هويتها بوجه التحدي والصعاب فانكسرت وتراجعت وذاب الكثير منها في لجة التاريخ وانحسر الباقي في هامش ضيق لاتكاد الحياة تحس بها وتشعر بوجودها٠

ومن اهم هذه المدارس التي كان لها شهرة وانتشارا، وصدى وضوءا، هي المعتزلة، الذي اسسها واصل بن عطاء ( ٨٠-١٣١ هج ) والذي كان تلميذا للحسن البصري، الا انه اختلف معه في مسائل كلامية وعقلية كثيرة فاعتزله واتخذ له حلقة في ركن اخر من المسجد ليلقي فيها دروسه وخواطره، ومن هنا جائت تسميتها٠
نالت هذه المدرسة رعاية ثلاثة من سلاطين بني العباس وهم المأمون والواثق والمعتصم، فاشتد عودها ونمت وترعرت، وظهر فيها الكثير من العلماء الذين امتازوا بقوة الجدل والمناظرة والحجة، وقد خاضوا نقاشات عميقة مع النصارى واليهود والملاحدة واهل الحديث ( الاشاعرة ) ، ومن كبارهم عمر بن عبيد وابراهيم النظام وابو علي الجبائي وقاضي القضاة عبد الجبار صاحب كتاب المغني الذي سطر فيه فلسفة الفكر المعتزلي ويقع في عشرين جزء٠
لقد لمع نجم هذه الفرقة في بداية القرن الهجري الثاني وبالتحديد في عهد المنصور الدوانيقي، وكان لها مدرستان، في الكوفة والبصرة، ولكن بواسق اشجارها امتدت الى المغرب وخراسان واليمن٠

ومن ادبياتها ان الانسان مخير وليس مسير وداعية للحرية ولاعمال الفكر والرأى والتقائها مع الشيعة في الكثير من المعتقدات، لكن رؤوسها في الواقع كانو ضيقي الصدر بالاخر الذي لايلتقي معهم، فلذا حرضوا امراء بني العباس على اجبار الناس على ارائهم، والضرب بيد من حديد على كل من خالفهم، لذا تم التنكيل بالكثير من العلماء ورميهم بالسجن ومن ضمنهم احمد بن حنبل الذين شاكسوه كثيرا في محنة خلق القران٠

هذه المدرسة، وبكل ثرائها العلمي والفكري، وبعلمائها ومكلميها الذين انجبتهم اضحت كعصف مأكول وخصوصا في زمن المتوكل الذي كان عدوها الايدلوجي الذي عمل على سجن قسم من علمائها وتعريضهم لعذابه الشديد، بينما استتاب القسم الاخر، وكان من ابرزهم ابو الحسن الاشعري تلميذ الجبائي الذي اعلن توبته منها وانضم الى عصبة اهل الحديث٠

وازداد امرها سوءاحينما توفي قاضيها عبد الجبار الذي يعد اخر معاقلها المرجعية في عام ٤١٥هج اذ انقرض ذكرها وضاع تراثها واضحت من متحجرات متاحف الفكر والثقافة والكلام والمعتقد، ولهذا لانجد اليوم في ساحة الامة تيارا لها يمثلها او حتى ناطق باسمها، وان وجد، فبعض من العناصر التي تعجز عن تشكيل رهطا فضلا عن فريق او حزب او تيار٠

واما المدرسة الثانية التي كان لها بصمة فاعلة ومؤثرة، هي الخوارج، والتي تشكلت بذرتها في واقعة صفين وبعد لعبة رفع المصاحف ومسرحية التحكيم في دومة الجندل بين المخادع عمرو بن العاص والامعة ابو موسى الاشعري، وقد نمت وتحولت الى تيار كبير في ساحات الامة لروحها الصدامية والعنيفة مع كل من يخالفها لوجود ابطال يجيدون الضرب بالسيف من جهة ولوجود شيوخ عباد وقراء للقران وعلى مستوى كبير من الفصاحة ومن الحرفيين في الجدال ومقارعة الحجج، وقد بنوا لهم فقها وعقيدة وفلسفة خاصة بهم، واما على الصعيد السياسي كانت لهم عدة ثورات ونهضات ضد السلطات، ولكن وبالرغم من بلوغهم المنعة والمكانة، الا ان لتطرفهم وراديكاليتهم، انحسروا وكادوا ان يكونوا نسيا منسيا، الا طرف منهم اتجه نحو الاعتدال سمي بالاباضية ولكنه لايعد شيئا مذكورا نسبة الى رقمهم الكبير الذي يخشى امره ويرهب جانبه٠

وهناك الكثير من الفرق التي طالها الانعدام والذوبان مثل السبئية والمرجئة والجهمية والقدرية وغيرها، ولم يبقى منها الا اسمائها٠

واما فرقة الامامية الاثني عشرية فقد واجهت مالايصدق من الخنق والحصار ومن قبل اعتى الناس واشدهم دموية من امثال الامويين والعباسين الذين اعترفوا بالمذاهب الاربعة فقط التي استقت جذورها واصولها وفروعها من فيض الامام الصادق عليه السلام، وامعانا في التنكر لها، امر الخليفة المنصور مالك بن انس امام دار الهجرة في نظم كتاب في الفقه اسماه الموطأ ليوطئه للناس جميعا٠
ومازالت هذه الفرقة تعاني المزيد من العناد وليومنا الراهن هذا وما صنع الملكيين والقوميين والبعثين اكثر مما يوصف٠

لقد شهد كل ذي عينين بان هذه الفرقة تزداد القا والتهاما لاصقاع الارض، لحكمة وعقلانية الائمة الاطهار الذين كرسوا مبدا التقية التي حقنت دماء شيعتهم وتقنينهم للمواجهات مع السلطة والابتعاد قدر الامكًان عن حرفية القتال الا في ضرورة وعوامل اخرى، ولكن على راسها احياء عاشوراء وهي موسم للعبرة ( بكسر الباء ) والعبرة ( بفتح الباء ) والاستعداد للتضحية والثبات، وفي راي القاصي والداني ان اهم عنصر في ملحمة الطف هو ذاك التماسك الذي ثقف الامة وجعلها نسيجا واحدا وموقفا واحدا وصرخة واحدة يرددها الزمان وفي كل مكان هيهات منا الذلة٠

قال العظيم في محكم كتابه العظيم ( فاما الزبد فيذهب جفاء )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٢٦/٨/٢٠٢٠