مدن “الجن” العسكرية تحت الأرض.. قلب إيران المسلّح

عبدالرحمن أبو سنينة هذه هي الحقيقة المرة كالعلقم على أعداء محور المقاومة، والتي باتت إنجازاً إيرانياً في غاية التطوّر والتعقيد. يمكن للمتنقّل بين المدن والصحاري والجبال الإيرانية تخيّل أنَّ […]

اسرارميديا عبدالرحمن أبو سنينة هذه هي الحقيقة المرة كالعلقم على أعداء محور المقاومة، والتي باتت إنجازاً إيرانياً في غاية التطوّر والتعقيد. يمكن للمتنقّل بين المدن والصحاري والجبال الإيرانية تخيّل أنَّ […]

عبدالرحمن أبو سنينة

هذه هي الحقيقة المرة كالعلقم على أعداء محور المقاومة، والتي باتت إنجازاً إيرانياً في غاية التطوّر والتعقيد.

يمكن للمتنقّل بين المدن والصحاري والجبال الإيرانية تخيّل أنَّ أغرب المدن المسلحة بكل أنواع السلاح موجودة تحت قدميه. هذه هي الحقيقة المرة كالعلقم على أعداء محور المقاومة، والتي باتت إنجازاً إيرانياً في غاية التطوّر والتعقيد، فالمؤسسة العسكرية الإيرانية، جيشاً وحرساً، لم تألُ جهداً منذ تأسيس الإمام الخميني لإيران الإسلامية الجديدة في الاستعداد للمنازلة التي لا بدّ من أنها آتية مع أعداء الاستقلال الإيراني، طال الزمان أو قصر.

واحد من أشكال هذا الاستعداد هو بناء المدن العسكرية الشديدة التأمين، المدفونة تحت طبقات من الخرسانة في الأعماق تحت الأرض، لحمايتها من القنابل المضادة للتحصينات، إضافة إلى بناء القواعد العسكرية الكهفية، وفقاً لصحافيين تمَّ السماح لهم بزيارة بعض هذه المواقع التي تم البدء ببنائها في العام 1984، لتجنّب أخطار القصف الَّذي كانت الأراضي الإيرانية تتعرّض له من قبل صدام حسين في حرب الثماني سنوات المفروضة.

ذلك العام قد يستغرب البعض عندما يعلم أنه عام ميلاد صناعة الصواريخ البالستية الإيرانية، التي سبقها بالفعل الشروع بعمليات حفر الأنفاق لإخفاء هذه الصواريخ بعد إنتاجها، وإخفاء قواعد إطلاقها، فضلاً عن حماية الأفراد والمسؤولين، لكن المدن العجيبة القائمة الآن في أعماق الأراضي تحوي اليوم مخزونات هائلة من الأسلحة على تنوعها، وتنتشر تقريباً في جميع أنحاء الجمهورية الإسلامية، وهي جاهزة للاستخدام رداً على أي اعتداء خارجي. وقد جنَّب أسلوب التخزين والعمل السفلي هذا القوات الإيرانية مخاطر المراقبة اللحظية لأقمار التجسس الأميركية والصهيونية التي تصور كلّ شيء فوق الأرض.

مدن الجنّ تحت الأرض

وفقاً لرواية الصحافيين، فإن جلّ العمل العسكري غير الكلاسيكي والحساس قائم هناك داخل “إيران دبليو تحت الأرض”، أي أن حياة أخرى قائمة في بطن الأرض لأنشطة القوات الإيرانية على امتداد جغرافيا البلاد، هدفها شل قدرة العدو ودفعه إلى اليأس، كي لا ينال من قدرات الجيوش الإيرانية وتسليحها المصنع محلياً.

بعض هذه المدن تتكوَّن من طبقات ودهاليز ومستويات تحت الأرض، قد يبلغ عدد المستويات فيها 30 أو 50 طابقاً، وتتضمن ممرات واسعة جداً حُفرت في عمق الأرض لا يمكن أن تتعرَّض للهدم. وهنا، نحن نتحدَّث عما يشبه المعجزة في العمارة التحت أرضية. وفي أعماق الجبال، تعتبر لعبة المهندسين الإيرانيين، وتستند إلى إرث حضاري فارسي يمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد.

القوات الإيرانية، ولمزيد من تعزيز قدرتها الدفاعية، قامت ببناء أنظمة أنفاق تستوعب الإنتاج والتخزين والإطلاق تحت الأرض، عُرض بعضها في وسائل الإعلام. هذه المواقع في (العالم السفلي) هي الأكبر من نوعها في العالم، بحسب تتبّعي، في حين تصفها تقارير نشرت في الصحافة الإسرائيلية بشبكة كبيرة معقَّدة من القواعد العسكرية الممتدة بآلاف الكيلومترات، موزَّعة في جميع أنحاء إيران، تسمى “مدن الصواريخ”، والحرس الثوري يتقن إخفاءها، وتسمى في المؤسسات الأمنية الصهيونية بـ”مدن الجن”، لصعوبة الوصول إلى المعلومات عنها أو تمييزها من فوق الأرض. ولكن عند الدّخول أكثر تحت الأرض، يمكن رؤية فتحات أنفاق من خلال فتحات الصخور.

وفي الأنفاق، تُخبَّأ قاذفات الصواريخ التي يمكن إخراجها بسرعة للإطلاق منها. وقد تمّ تصميمها لتحمل الضربات القادمة من القنابل النووية مباشرةً، كما تقول تقارير الصهاينة، التي أيَّد مضمونها قائد القوات الجوية التابعة للحرس الثوري، أمير علي حاجي زاده، كاشفاً أن القوات العسکرية الإيرانية تحفر “أنفاقاً معقدة” تحت الأرض وفي الجبال على مدار الساعة، لحماية أفرادها وذخائرها، وهي استراتيجية عمل باتت من تَخصّص الآلية العسكرية الإيرانية ومحور المقاومة بشكل عام، لكن الفرادة هنا تكمن في الاعتماد الكامل على القدرات الوطنية الخالصة في بناء هذه المدن والتصنيع العسكري معاً، ما يعني صعوبة اختراق العدو من جهة، وجعل إيران في غنى عن الغرب والشرق وعن خبرائهما من جهة أخرى، في حين أن دول المنطقة، ورغم صفقات السلاح وموازناتها الفلكية، تبقى بحاجة إلى الخبير الأجنبي الذي يتحكّم بهذه الأسلحة، وبإمكان الدول الاستكبارية أن تقطع إمداداتها أو قطع غيارها عنها، فتصبح من دون قيمة، فضلاً عن ضرب استقلالية الدول وسيادتها في مقتل.

رسائل النار المختلفة هذه المرة!

انتهت مؤخراً في إيران المرحلة الأخيرة من مناورات “الرسول الأعظم 14″، والتي وجهت رسائل شديدة التركيز إلى المحور الأميركي، باستخدامها إطلاق الحمم الصاروخية البالستية من أعماق هذه المدن العسكرية تحت الأرض، من دون منصات إطلاق ومعدات متعارفة، وهو ما جرى للمرة الأولى في العالم. وعلى الأعداء أن يتذكروا هذا اليوم ولا ينسوه، في وقت بات شعار العسكر في إيران وعقيدتهم: إخراج أميركا من كل المنطقة.

عقب المناورات، أعلن قائد قوات بحرية الحرس، الأدميرال علي رضا تنكسيري، أن هذه المدن قائمة على امتداد سواحل الخليج وخليج عُمان، فضلاً عن بناء مدن عائمة أخرى فوق المياه سيكشف عنها في الوقت المناسب، وستكون كابوساً للأعداء، مشيراً إلى نشر تعبئة بحرية على طول الساحل البالغ آلاف الكيلومترات، وبقوّة قوامها الآلاف من الجنود المدربين تدريباً خاصّاً.

هذا يعني أنّ كلّ السواحل الإيرانية باتت مسلَّحة، وأنّ مدن الجيش والحرس تحت الأرض بالقرب منها معزّزة بأنظمة دفاعية متطوّرة. وفي أيّ مواجهة محتملة، يمكن أن تنطلق الصواريخ الإيرانية من تحت الطرق الضيّقة المتعرجة التي تمر عبر سفوح الجبال أو من أعماق الأراضي الإيرانيّة، لتحطّم العدو.

انتقال التجربة إلى جبهات محور المقاومة

هذه التجربة، وإن كانت بأشكال مصغّرة، لكنَّها نقلت إلى جبهات محور المقاومة في لبنان وغزة واليمن والعراق، فقد خزَّنت مجموعات مقاومة تتبع الحشد الشعبي أسلحتها الثقيلة والصواريخ في خنادق تحت الأرض على مستويات عميقة محكمة الإخفاء، وهو ما يذكّر بحرب تموز 2006 في لبنان، إذ بقيت صواريخ المقاومة تنهمر على مستوطنات الكيان، رغم إعلانه تدمير القدرة الصّاروخية لحزب الله، أي أنَّ مرابض الصواريخ في قواعدها المحصّنة تحت الأرض لم تصب بأذى.

كما كشفت تسجيلات أخرى إطلاق سرايا القدس في غزة صاروخاً من مربض تحت الأرض. الأمر ذاته وثّقته عدسة الإعلام الحربي اليمنية خلال إطلاق اليمنيين صاروخاً بالستياً من قاعدة تحت الأرض باتجاه قاعدة عسكرية سعودية.