غرام الافاعي بين اليوان الصيني والدولار الامريكي

حامد البياتي

حازت الولايات المتحدة وبامتياز على ورقتين استراتيجيتين بعد الحرب العالمية الثانية، اولهما، الاقتدار العسكري، وخصوصا في الجانب البحري، حيث تمتلك اليوم، ثلاثة عشر حاملة طائرات بمحركاتها النووية، وهي اكثر مما في حوزة الدول الاخرى الرئيسية مجتمعة، ولذلك هي الاقوى تسليحا ونارا، وطالما تتبختر وهي تشق البحار والمحيطات وخصوصا امام سواحل الصين ومياهها الاقليمية التي تعتبرها ملكا عضوضا لها، مما يزيد التوتر ويصعد الازمة ويحفز السباق العسكري بينهما٠

امريكا ومنذ بواكير قوتها، اعتبرت منطقة الكاريبي اطلالتها على القسم الغربي للارض، وابتداءا من حدود امريكا اللاتينية والمحيط الاطلنطي وحتى بلدان شرق اسيا والمحيط الهادئ وبحر الصين، لهذا فهي لعبت دور المحامي عن اوربا ضد الاتحاد السوفيتي في عصره الذهبي بالاضافة الى انها قامت ببنائها بعد خرابها ضمن خطة مارشال وتشيدها لقواعدها العسكرية حول العالم، لتحظى بمرونة اكبر على الانتشار والمناورة في البحور وممراتها٠

اما الصين، وعلى الرغم من موقعها الجيوستراتيجي، فانها لم تعتني اول امرها، كثيرا بالبحار والمحيطات التي تطل عليها، واكتفت بمنعتها في اراضيها الكثيرة التي امتازت بسهولها ووديانها وجبالها، ولهذا استطاعت انگلترا وفي القرن التاسع عشر من احتلال سواحلها الجنوبية حيث الثغور والمنافذ التجارية الحيوية التي تربطها بالعالم٠
طورت الصين وتحت الحاح الضرورة الاستراتيجية والمنافسة العسكرية قوتها البحرية، وهي الان في طريقها لانجاز حاملة طائراتها الثالثة وفي خططها المستقبلية ان تبني ثلاثة اخرى في منتصف العقد الثالث من قرننا الحالي، ولهذا مازالت القوة الضاربة الهائلة في عالم اليوم لصالح امريكا٠

واما على الصعيد الاقتصادي، فقد استيقظ التنين الصيني، وغسل وجهه من الافيون وحروبه، وبدات شركاته ومعامله في انتاج فيوضات من الصناعات التي دخلت العالم من اوسع ابوابه، وكانت امريكا من الدول الاولى التي استقبلت هذه الواردات والمشتريات، ومنذ ثمانينيان القرن الماضي، واما في السنوات الاخيرة فقد بلغ الفائض التجاري الصيني بما يقارب ٣٠٠ مليار دولار، فتكدست العملات الصعبة في بنوكها، فاستثمرتها في وعاء آمن ومستقر بشراء الاذونات والسندات الامريكية، فلذلك، فهي من جهة تضفي على عملتها الايوان مزيدا من الاستقرار والهدوء، اذ تبقيها منخفضة القيمة لكي تشق بضاعتها التنافسبة طريقها الى اسواق العالم ليبقى الميزان لسيادتها، ومن جهة ثانية تمسك باحدى الخيارات الفعالة في الرد على ترامب في حروبه التجارية معها من جهة اخرى٠

لقد اشترت الصين بما يقارب من ترليون ونصف من الدولارات من ادوات الدين الامريكي، وتعتبر الدولة الدائنة الاولى للولايات المتحدة الامريكية التي تبلغ مجمل ديونها مايقارب ٢٢ ترليون دولار، وهي بهذا تسبق حتى اليابان الحليفة لها، وهذا يعني وببساطة وبعيدا عن مصطلحات الاقتصاد المعقدة، ان الصين ان ارادت عرض وبيع تلك السندات في السوق مع عدم قدرة امريكا وعجزها على سداد قيمتها، فانها ستوجه ضربة شديدة لها وتحت الحزام ان لم نقل كعديد من المراقبين ان انهيارا اقتصاديا كبيرا سيلحق بالاقتصاد الامريكي وسيصيبه في مقتل٠

لقد عزمت الصين، ومن خلال سيولها الاستثمارية، الى احياء طريق الحرير القديم، وذلك في ضم اكثر من مئة وثلاثين دوله الى مشروعها العملاق، اي مايقرب ثلثي الارض، وبمئات من الموانئ والمطارات والعواصم وبمئات الالاف من الشوارع المعبده وسكك الحديد والقاطرات، لتصنع مايشبه علاء الدين ومصباحه السحرى في نقل منتجها الى اركان الدنيا وفي سرعة الريح، وهو امر يبعث على الغثيان الامريكي، لذلك نحن لانستبعد نظرية المؤامرة في اصابة روما ( التي وافقت على انضمامها الى المشروع الحريري دون الاتحاد الاوربي ) بالكروونا المبوصلة التي انتقلت اليها مباشرة من ووهان دون ان تمر بالجار الهندي او الباكستاني، او اسقاط عادل عبد المهدي العراقي الذي ارسى فقط وثيقة تفاهم مع الصين في بعث العمران والبنية التحتية العراقية بلعبة الحراك والجوكرية، او زيادة الحصار على ايران التي ارتبطت بالصين من اجل تحديث ماكنتها النفطية، وكذلك لانستبعد بالمطلق ان يكون الانفجار الاخير في مرفئ بيروت هو لقطع دابر الطريق على لبنان للالتحاق بالصين التي اعربت عن رغبتها في تطوير طاقته الكهربائية ومنشئاته٠

بلى، ذلك هو سلاح الاستثمار، فله دوي وعصف في ساحات العملات والبورصات والاموال والصناعات، وهو لايقل وقعا عن فوهات المدافع وقنابل الطائرات في ساحات الحروب، ومما يدمي القلب، ان سياسي الصدفة الذين حملهم لنا كيس النجاسة، بول بريمر، وطيلة ١٧ سنة، ورغم الميزانيات التي وصفت بالانفجارية لم يصنعوا اي انجاز استثماري وطني يعود بالنفع على هذا الشعب المنكوب، وانما كانت هموم غرائزهم المشيطنة ان يستثمروا لانفسهم الرخيصة، الاموال، التي سرقوها من افواه اليتامى والايامى، في الدول التي يكتنفها الغموض والسرية والحرفية في تبيضها وشرعتها وهي في اصولها اكثر سوادا من ضمير المحتل واجناده وطوابيره وعملائه الذين جاء بهم ليتحكموا برقابنا٠

قال تعالى في كتابه المجيد ( كلا ان الانسان ليطغى ان راه استغنى )٠
صدق الله العلي العظيم٠
٦/٨/٢٠٢٠