المثقفون والعلماء مبتلون دوما بالدهماء والغوغاء

حامد البياتي٠

يذكر في كتاب القيصر بطرس الاكبر او بيتر الاول، انه اشتعل رغبة وبلاطه، في استعمار المنطقة الشماليه الجيوستراتيجية من بلاد فارس، لما تكتنفه من خيرات واقتصاد ومضائق تجارية عالمية، وكان لابد له من عذر ناهض لانجاز هذه المهمة، فوقع الخيار على فقاعة جورجيا النصرانية، التي كانت تعاني الاضطهاد على يد السلطة القاجارية ورغبتها الملحة بالالتحاق بروسيا الارثوذكسية، وعلى هذا ارسل جيشه المدجج حتى الاسنان بالعديد والعدة ليتمكن بعد جولات عسكرية من الكر والفر والتي استمرت منذ عام ١٢١٨حتى عام ١٢٢٨هج، من الهيمنة والاستحواذ على مناطق واسعة من القوقاز وبحر قزوين وجورجيا والشيشان وباكو ودربند وداغستان ونصف اذربيجان وكنجه وقره باغ وغيرها من المناطق حتى بلغ نهر اراس واحكم السيطرة عليها، وبدأ يؤدلجها بديانته ويطبق عليها ثقافته واعرافه، ولم تفلت من قبضته الا ارمينيا النصرانية التي بقيت جزءا من الامبراطورية القاجارية التي يحكمها فتح علي شاه٠
تململ الشيعة وضجروا تحت حكم القيصر وخشوا على دينهم ان يبدل تحت القهر ويتنصر اولادهم وذريتهم تحت التهديد والترغيب، لذلك اخذوا يبعثون برسائل الغوث والنجدة واللوم والعتاب الى علماء الشيعة في النجف وكربلاء وقم وسامراء والكاظمية، فتفاعل العلماء معهم وتعاطفوا وهم من الطراز الاول والوزن الثقيل من امثال الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء ووحيد البهبهاني وملة احمد النراقي والشيخ احمد الاحسائي وكريم خان الكرماني وملة صالح البرغاني صاحب التفسير واخوه محمد تقي البرغاني واخرين، ومن اللونين، العرب والعجم، وكان للسيد محمد المجاهد بن السيد على الطبطبائي صاحب كتاب رياض المسائل، دورا قياديا ومركزيا، اذ اقبل ماشيا من العراق الى ايران وهو يحرض المؤمنين ضد الروس حتى تابعه خلق كثير، وما ان وصل الى شيراز حتى خطب في مسجدها الكبير خطبته العصماء وهو يحمل في يده راية الجهاد ويفتي بحرمة بقاء اراضي المسلمين تحت نير الكفر، وقال مناديا، انا ذاهب للقتال فمن رغب في لقاء الله والنبي والوصي فليلحقني٠
لقد صنع الرجل وبقية العلماء الاعلام بما يشبه الحشد الثوري الذي صنع بفتوى المرجعية في ايامنا هذه، اذ تدفقت تيارات من النخوة والغيرة والرجوله وكانها السيل الجارف والزحف الهادر ومن كل القرى والقصبات والمدن الكبيرة والصغيرة للمشاركة في حرب التحرير ضد الروس المنحوس٠
وحينما وصل هذا الجيش الشعبي الى اذربيجان ودربند واشتبك بحماسة وملحمية مع القوات القيصرية الذي دحرها وكبدها خسائر ثقيلة وفر المتبقي منها الى موسكو لتخبر القادة هناك بان هذه الحرب اشرس من الاولى ولاشئ يقف امام ضراوة ضرباتها، وتم تحرير اغلب المناطق التي احتلت وانتهكت سابقا٠
ولكن ( واخ من لكن هذه ) ارتقى المنبر شيخا في وسط عاصفة النصر والمشاعر اللاهبة، وقال في الجموع الحافلة، انتم اليوم ادخلتم السرور الى قلب صاحب العصر والزمان، اذ فتحتم البلاد وحررتم العباد ودمرتم جيش الاعداء، وانتقتم من بني امية، ثم اردف، اتعرفون لماذا وصف الروس بهذا الاسم، لانهم كانوا يحاربون الامام الحسين عليه السلام في كربلاء، وحينما قتلوه واصحابه، جزوا رؤوسهم وحملوها على الرماح، ومن هنا وردت تسميتهم بالروس، ولذا يجب علينا ان نقطع رؤوس قتلى جيشهم ونحملها على الرماح، ثأرا وانتقاما لشهداء الطف الكرام٠
لقد كانت دعوة مريبة ولا تبعد عن نظرية المؤامرة، فلاقت فكرته صدى بين العامة، وبدأ التهليل والتكبير والترويج لها، في حين صاح فيه العلامة السيد مجاهد، يافاسق انزل من المنبر، وقال فيه ايضا الملة محمد تقي، ياكافر اخسأ، الا انه ولوجود العملاء والطوابير الخامسة والسادسة الروسية ، ملؤا الفضاء زعيقا ونباحا بشرعنة هذا الفعل واستحبابه مرضاة لال النبي صلى الله عليه واله، وانطلت الحيلة، على العوام والبسطاء والاميين، وهي اشبه بحيلة العاص في رفع المصاحف بوجه امير المؤمنين في صفين، فتوقف الهجوم، واحضروا الحدادين والنجارين والمواد اللازمة، ليصنعوا الاف الرماح لالاف الرؤوس الروسية التي انشغلوا بقطعها عن اجسامها وتركيبها على الرماح للسير بها في ركبهم اللاحب، وهذا الامر الاحمق استدعى وللاسف اسابيعا وشهورا لانجازه، مما وفر الوقت الكافي للقيصر نيكولاي في اعداد جيش كبير زج فيه كل صنوف الحربية والهجوم، فاوقف الزحف، واغرقه بالخسائر الفادحة والموجعة، وتم احتلال مزيدا من الاراضي علاوة على ماكانت في قبضته وحتى ارمينيا التي سلمت في الحرب الاولى تم ابتلاعها واصبحت جزءا من روسيا في هذه الحرب الثانية التي وقعت في ١٢٤١هج٠
هذه الواقعة، ينبغي ان تدرس بعمق وتكون جرس انذار وعبرة لنا، وليس مما يتسلى بها كقصة وحكاية تاريخية عابرة، لان المكائد التي تحاك ضد الحشد وفصائله وتحالفه وقواه في راهننا، والذي هو ضمير الامة ولامة بأسها وملاذها، لاتكاد تهدأ وتفتر، وتخاذلنا عنه يجرنا الى الشقاء والمحنة، فالحذر الحذر، ولا يغرنكم قول ابالسة الداخل والخارج، واراجيفهم، بحل هذه القوى والتنقص منها او التشنيع عليها وشيطنتها، فانهم لايريدون الا ان نكون لقمة سائغة تتناولنا اسنانهم الحاقدة الارهابية الظلامية٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( ياايها الذين امنوا اطيعوا الله ورسوله واولي الامر منكم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
حامد البياتي٠
٩/٥/٢٠٢٠