دوما تموت الامبراطوريات ولكن تبقى الحضارات

حامد البياتي

ماكان لاي حضارة ان يكون لها نبت يورق، واغصان تثور، وشجرة وارفة الظل، الا بأركان، وعلى رأسها انهار وشطئان عذبة تروي من ظمأ وتسقي من ري، وشمس ساطعة تشرق بالنور والدفئ، وعلى هذا كانت لنا حضارات موغلة باجرانها في التاريخ، وقبل الميلاد بالاف السنين، ببلاد النهرين حيث البابلية والسومرية والكلدانية، وعيلام ( خوزستان اليوم ) ومصر حيث النيل والفراعنة، والهند والسند واليمن، والصين التي يشقها خمسمئة نهر والف، بينما كانت اورپا التي يغطيها البرد والثلج هامشا مسكينا لم نسمع عنها في تلكم العصور غير رحلات اقوام وقبائل وتفاخر بالسيف والسلب، الا في جنوب اورپا ولقربها نسبيا من الشرق المبدع وجغرافيته، حيث تاثرت به فظهرت لها حضارة وقبل ٨٠٠ سنة من الميلاد في كل من اليونان وجنوب ايطاليا واسپانيا٠
وقد ردمت هذه الفجوة النوعية بين العالمين من خلال عوامل عديدة، اهمها، الحروب الصليبية التي استمرت بين اواخر القرن الحادي عشر الى الثلث الاخير من القرن الثالث عشر ( ١٠٩٦- ١٢٩١ ) اي مايقارب قرنين من الزمن والتي شملت ثمان حروب طاحنة، عجز الاوربيون فيها بالسيطرة على الاراضي المقدسة، ولكنهم قاموا بنقل وسرقة وترجمة الكتب العلمية التي كانت تزخر فيها، مثل كتب ابن سينا وعلي بن عباس الاهوازي ومختلف العلوم، كما تعلموا ايضا الصناعات الحيوية كالورق والبارود وغيرها٠
ثم ظهرت الثورة الصناعية في اورپا في الفترة بين عامي ( ١٧٦٠- ١٨٤٠ ) حيث اخترعت الالة البخارية التي نقلت الصناعة من اطارها اليدوي التقليدي الى نمط جديد واكثر انتاجا٠
وفي منتصف القرن التاسع عشر اقتحم الفحم الحجري عالم الصناعة وضاعف دورتها الدموية وخصوصا في مجال الاسلحة حيث استخدم في صهر الحديد وصناعة الصلب وكذلك في توليد الكهرباء الذي يعتبر اوكسجين التطور٠
بالاضافة الى ذلك انتهاء الحرب الاهلية الامريكية في عام ١٨٦٥، وتشكيل الدولة الكونفدرالية الاتحادية، والبدء في اكتشاف طبيعتها البكر والحافلة بخزائن المعادن والفلزات والعناصر٠
استطاع اوتو فون بسمارك السياسي والزعيم الاستثنائي في المانيا بنهاية القرن التاسع عشر، من هندسة وحدتها، بعد ماكانت اكثر من ٣٠٠ ولاية خاضعة للسيطرة الدانماركية والفرنسية والنمساوية، وتمكن من هزم نابليون الثالث واحتلال پاريس، وعقد لقاءا في قصر فرساي مع كل الامراء الالمان، ليعلن نفسه مستشارا لمملكة بروسيا في عام ١٨٧٠م٠كذلك وساهم في مساعدة المناضلين الايطالين ضد الاستعمار النمساوي وتحقيق وحدة ايطاليا من اجل منافسة النظام الاوربي الاستعماري التقليدي٠
راوده هو الاخر، حلم البحث عن المستعمرات في اسيا وافريقيا التي كانتا حكرا للامبراطوريتين الفرنسية والانجيليزية، وابتدا حمى الصراع وانتهى باشعال الحرب العالمية الاولى، وانكسار المانيا التي فرضت عليها شروطا مذلة في معاهدة فرساي عام ١٩١٩م٠
ولكن طموح المانيا مازال يحرق ضلوعها، فانبرت تبني نفسها، علميا وصناعيا واقتصاديا وعسكريا، وتفوقت على عدوتيها، وتحالفت مع ايطاليا التي ارتقت هي الاخرى، وكذلك مع اليابان العنيدة والقوية، لمناطحة الغطرسة البريطانية الفرنسية، والتي انتهت بالحرب العالمية الثانية، ولولا دخول امريكا والاتحاد السوفيتي، لكانت خريطة العالم قد تغيرت لان هتلر دخل ببسطاله مرة ثانية قصر فرساي محتلا٠ولكن كل هذه الامبراطوريات، ذابت في فضاء اقتصادي سمي السوق الاوربية المشتركة ابتداءا من عام ١٩٥٧م٠
وفي عام ١٩٩١م انهار الاتحاد السوفيتي وتناثرت حباته والتحقت كل دول اوربا الوسطى والشرقية التي كانت تشكل قوام امبراطوريته الى الوحدة الاوربية٠
واصبحت الولايات المتحدة هي الوارث الوحيد لكل الامبراطوريات التي كانت يوما تتبجح بان الشمس تدور في ملعبها٠
اما في الشرق، فكانت التجربة اليابانية، التي امتدت امبراطوريتها على بر الصين كله وبحره وكوريا التي سميت بكوريا اليابان واندونيسا التي كانت الهند الشرقية، وتايوان وجزر المحيط الهادئ، وجنوب منشوريا، الا ان القنبلتين النوويتين حطمت شوكتها العسكرية، وجعلتها تراجع ذاتها وتصنع من نفسها امبراطوية الكترونات وصناعات دقيقة٠
ولكن الشرق كان دائما منجبا، فالصين التي كانت لها حضارتها وامبراطوريتها لالاف من السنين، بدأت مشوارها الثقافي والثوري والصناعي من بعد ثورة ماو، ودخلت عالم اليوم بخطى واثقة وعلى اساس من العلاقات الدولية المتوازنة، لتكون وعلى مرائ العالم وسمعه، القوة الاقتصادية الثانية في الكون، وليس مستبعدا ان تاخذ اكليل الاولى بعد بضع سنين، وخصوصا وهي تدخل في تحالفات منسجمة يقال عنها ( اكثر جدارة وقوة من تحالفات المانيا في الحربين العالميتين ) مع روسيا ومع كثير من الدول لتشكيل مشروعها الحالم، طريق الحرير الجديد، والذي اربك حسابات امريكا وزاد في قلقها، سيما وبكين اليوم لها صفقات هائلة مع اورپا التي تشعر بالمن لها وهي تقدم لها ايادي بيضاء لدولها التي نكبت بفيروس الكرونا٠
وكذلك، ان جنوب شرق اسيا، مثل اندنوسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية، وكذلك الهند التي تقع في جنوبه، لها جميعا مستقبلا واعدا لعالم اليوم والمستقبل، وقد ركبت قطار الحضارة٠
ان اميركا كامبراطوية تعاني اليوم الكثير من التأزم والانهزام، فمنذ حرب فيتنام وهي تقدم الخسائر المتوالية، واخيرا انها بجلجلتها وصهيلها وعنفها خرت راكعة لفيروس لم يكتفي بصرع الناس بولاياتها الخمسين التي ضعفت لحمتها المغناطيسية وانما فتك ببوارجها وسفنها الحربية واساطيلها ويرغب في جعل اجنادها كعصف مأكول٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
حامد البياتي٠
٦/٥/٢٠٢٠