رحلة احزاب العمل من الاستطالة الى الضئالة

حامد البياتي

هزمت مارغريت تاتشر الشهيرة بعنادها وبسرقة حليب الاطفال بالضربة القاضية امام خصمها الجديد الاتحاد الاوربي، والتي حاولت ان تشاكس رياحه في التئام عقده، وتعارك اشواق البريطانيين باللحاق في ركابه، ولكنها فازت بالنقاط على الخصم التقليدي حزب العمل وهو العريق الذي اسس في عام ١٩٠٠م والذي يشارك عمال العالم اجمع في عيدهم في الاول من مايو في كل عام٠
في البدء، ان احزاب العمال في مجملها وخاصة الاوربية منها، اشتراكية المنبت وديمقراطية المنهج، لذا تباينت الى مستوى كبير مع الايدلوجية الماركسية، واختلفت ايضا مع البلشفية اللينينية بعد انتصارها في عام ١٩١٧ على الحكومة القومية الروسية التي انتصرت بدورها على سلطة القيصر٠
فالنظام الشيوعي يخنق عروق الحياة الاقتصادية، ويسيرها ضمن اجندته ومرئياته، ولاغيا لاي ملكية فردية ومصادرا لها، ولاقيا القبض على كل الكنوز سواء كانت فوق الارض وتحتها ويسجلها في ديوان الدولة التي هي مرهونة اصلا للحزب الماركسي الانجلزي اللينيني الاستاليني٠
بينما الاحزاب العمالية الديمقراطية الاشتراكية، تبنت الاقتصاد الملون والمختلط، فالدولة لاتهمين على كل شئ ولا تفرط في نفس الوقت في كل شئ، وفي خلاصة اقتصادية عنها وتقريبية يمكن القول ان ٥٠/: للدولة و٥٠/: للقطاع الخاص، بينما في الاقتصاد الليبرالي الراسمالي المفتوح فالدولة لاتقنن الا هامشا وتترك لحرية التملك تسرح وترتع وتتغول٠
في عام ١٩٤٥ اي بعد الحرب العالمية الثانية، تآكل الاقتصاد وافتقرت الحياة، وكان الناس قد عدموا كل شئ، من طعام ودواء وسكن وتعليم وطرق وادارات وبنية تحية ومرافق وخدمات عامة، فتنادت احزاب العمال الاشتراكية الديمقراطية بانجاز كل هذه التطلعات وحققت معظمها، واللافت ان القيادات العمالية الحزبية، كانت متواضعة ولم تهتم بباذخ السلطة وفخيمها، وعلى سبيل المثال، فالقائد العمالي النرويجي اينار غارهاردسن، شغل منصب رئيس الوزراء لثلاث عهدات ( ٤٥-٥١) و ( ٥٥-٦٣ ) و ( ٦٣-٦٥) والذي بنى النرويج من جديد بعد تخريبها من قبل الجيش النازي، قد تنازل عن القصر الرئاسي الواسع عليه، واتخذ شقة صغيرة جدا في وسط العاصمة ليكون قريبا من الناس، وطلب من زوجته ان تترك وظيفتها لكي تنعم بها مواطنة اخرى لان مداخيله التي يتقاضاها تكفي لهما، ولتواضعه الجم، لقب بوالد الدولة، كما لقبت القيادية العمالية غرو هارلم برونتلاند رئيسة الوزراء لثلاث دورات بوالدة الدولة ( وياليت قيادة الخضراء في بغداد تتاسى بها )٠
ولكن وكل شئ يمضي للتغيير، فما ان فاضت الحياة واجرت نعمها، حتى مالت نفوس الاوربيون للمزيد من الترف والبذخ، ولاسباب كثيرة اخرى من قبيل التغير الايدلوجي وتفاعل حزب العمل مع الخارج في حين يركز الحزب اليميني على الداخل، استطاعت الموجة اليمينية ان تطبع ببصماتها على الساحة الاوربية، وهنا برزت تاتشر التي شربت من بقالة ابيها الحليب المطعم بثقافة المحافظين والكنيسة، تكسب الاصوات البريطانية حتى فازت برئاسة الحزب والحكومة لثلاث دورات، وهي اول امراءة في التاريخ البريطاني تترأس، فعملت على تحجيم وتعطيل النقابات العمالية التي تشكل بنية حزب العمل ومجموعات الجمعيات الاشتراكية والاتحاد الماركسي الاشتراكي الديمقراطي، وغيرها من مؤسسات اشتراكية، ومن المعروف ان لندن تعتبر المطبخ المركزي لاعداد السياسات والمشروعات العالمية، والماكنة التي تجر ورائها القاطرة الاوربية٠لذا تعمق النفوذ اليميني بفعل هذه السيده التي لقبها الاتحاد السوفيتي بالحديدية لصرامتها وصلابتها وصلادتها ضده٠
وحتى حينما فاز توني بلير العمالي بالسلطة البريطانية في عام ١٩٩٧، فانه اقحم الكثير من اجندات تاتشر في رؤى حزبه الذي سماه الحزب العمالي الجديد٠
واما في يومنا هذا فقد انتشرت الشعبوية اليمينية الراديكالية في اوربا بدعوى زيادة عدد الاجانب، وكثرة الموجات القادمة من اوربا الشرقية التي اخذت في منافسة الاوربين انفسهم في لقمة عيشهم واسلمة اوربا وفوبيا الاسلام والتطرف الديني والارهاب، وكثيرا من التعازي والدموع التي تطلقها كراهية على كتف اوربا لتبقى غرائزها مستعرة ضد عدوها الموهوم٠
نظرة سريعة لاوربا نرى فيها ضاجة برفرفة الاعلام اليمينية الا في بعض مواقعها الصغيرة التي بالكاد انتصر فيها حزب العمال الذي كانت له عقودا من الريادة٠
لايخامرنا الشك في بقاء الكلمة اليمنية هي الحاكمة ولا اقل في المنظور القريب فمفاعيل احزابها مازالت تلقي بشرر مكرها كالقصر وكانها جمالة صفر٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديه فرحون )٠
صدق الله العلي العظيم٠
حامد البياتي٠
٢٣/١٢/٢٠١٩