موثرات المشروع الامريكي على العقل الشيعي واجراس الخطر

محمد صادق الهاشمي

12-3-2017
من ارشيف مركز العراق للدراسات محمد صادق الهاشمي

اولا – لا أحد ينكر تأثيرات الغرب في ثقافات المجتمعات البشرية من خلال مختلف البرامج للتاثير في العقل العالمي والشرقي بنحو خاص تلك العولمة التي أريد لها ولمن وضعها أنْ تلغي كل ثقافات الشعوب المحلية والقيم والأخلاق وثقافاتهم الدينية والإسلامية بنحو خاص واستبدالها بناتج الثقافة الغربية، أنَّ النجاحات التي حققها الغرب من خلال العولمة (النظام العالمي الجديد) ضدَّ الشعوب الواقعة تحت المظلة السوفيتية انذاك في تغيير ثقافتهم والتأثير عليهم وبالتالي خروج أغلب دول الاتحاد السوفيتي والدول الواقعة تحت مظلته عن المظلة السوفيتية والتحاقها بمظلة الغرب السياسية والعسكرية شجّع الغرب وأمريكا على المضي قدماً بهذا البرنامج للتأثير في الشعوب الإسلامية والعربية بذات المنهج لتغيير فكرها وثقافاتها وتقاليدها وأخلاقها مستفيدين من ظروف قاهرة داخلياً تعانيها الشعوب أثر الدكتاتوريات والأنظمة السياسية المستبدة.

وقد اعتبر الإسلاميون العولمة غزواً ثقافياً ايديولوجياً وسياسياً خطراً، وكثر الحديث عنه في حقيقته وأهدافه وأبعاده وسبل مواجهته ومدى تأثيره على الشعوب الإسلامية، ولئن تأثّرت الشعوب العربية والإسلامية بالعولمة وما تطرحه المؤسسات الغربية من ثقافة جديدة فإنَّ الشعب العراقي ليس بدعاً من تلك الشعوب خصوصاً أنَّ ظروف الشعب العراقي ومعاناته السياسية والخلفية العلمانية التي تعيشها بعض النخب العراقية خلقت لديها الاستعداد لتلقّي الثقافات العالمية الوافدة، فالشعب العراقي تلقى الشيوعية وآمن بها وقدّم لأجلها الدماء وتلقى الثقافة القومية، وتلقى منذ الثلاثينات الثقافة الديمقراطية، وكانت من الثقافات الواسعة الانتشار على يد نخبة تخرجت من الجامعة الأمريكية أمثال (محمد حديد، وكامل الجادرجي، وعبد الفتاح ابراهيم)، وكانت جريدتهم (الأهالي) التي صدرت عام 1932 منبراً للفكر التقدمي، وسجلت رصيداً جماهيرياً، وكانت من أكثر الجرايد مبيعاً وانتشرت أفكارهم في أوساط واسعة من المثقفين، لذا فإنَّ الظروف والمناخات الراهنة سياسيا والخلفيات التاريخية للشعب العراقي ومدى استعداده لتلقي الثقافات العالمية الوافدة جعلته بلا اشكال يتأثر
تلك المؤثّرات فرضت وجودها في ثقافة الشعب العراقي، وليس من باب المصادفة أنْ يستخدم الرئيس الأمريكي جورج بوش اصطلاح العولمة والنظام العالمي الجديد، في خطاب وجهه الى الأمة الأمريكية بمناسبة ارسال قواته الى الخليج (بعد اسبوعين من نشوب الأزمة في اغسطس 1991) وفي معرض حديثه عن السلام والتغيير للأنظمة القمعية والفكر السياسي الجديد الذي يجب أنْ يسود العالم وطرق تحقيق السلام والرخاء واحلال الحرية والديمقراطية، ثم قال: لا يتحقق ذلك إلّا من خلال (نظام عالمي جديد).

ثانيا – كانت الحرب الباردة على أشدها بين القطبين والقوتين الغربية والشرقية، بين المعسكر الذي تقوده أمريكا وبين المعكسر الذي تقوده روسيا، ولكل منهما آلياته الثقافية وايدولوجيته ورؤيته وسياسته الاقتصادية والفكرية، لذا فإنَّ هزيمة المعسكر السوفيتي عام 1991 أهّلت أمريكا أنْ تلعب دوراً جدياً في التأثير على العقل الإسلامي خصوصاً بعد أنْ وجدت نفسها قطباً وحيداً قادراً على صياغة نظام دولي جديد، ولعل من أهم الوثائق الأمريكية التي تكشف استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية ورؤيتها للنظام الدولي الجديد في ظل المتغيرات الدولية وأثر انيهار الإتحاد السوفيتي هو ذلك التقرير المعروف باسم (ولفوفيتز علي الدين هلال، « النظام الدولي الجديد: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل » ص13 ـ 15.) الذي قدمه للبنتاغون بغية الحصول على دعم الكونكرس لميزانيته السنوية، إذ يشير التقرير المذكور الى منع وردع أيِّ منافس محتمل إذا ما طمح الى لعب دور عالمي أكبر أو حتى اقليمي، من هنا نهضت غطرسة أمريكية أحادية عليا جعلتها بوضعٍ أكثر إيماناً للمضي قدماً في مواجهة الحضارة والثقافة الإسلامية والوجود الإسلامي برمته حسبما دعا إليه فوكوياما من أنَّ الايديولوجية الغربية الرأسمالية المرتكزة على الليبرالية والديمقراطية هي النموذج الأصلح لقيادة وإدارة المجتمعات البشرية أبد الآبدين، وقريب منه صموئيل هنكتن في كتاب (صدام الحضارات) وهنا عدد من الملاحظات:
1- أمريكا بعد انهيار الإتحاد السوفيتي لم تجد أيَّ محددات وموانع دولية تمنعها من المضي قدماً في ترويج أفكارها، كما كانت إبّان الحرب الباردة التي شهدت وجود تنافس ثقافي بين قطبين، نعم شعرت أمريكا بإنّها القطب الأوحد في العالم خصوصاً بعد اصطفاف عدد من الدول المهمّة إلى جانبها وتأييد سياستها الخارجية، وخصوصاً ضرب العراق واحتلاله الذي جرى على مراحل بهدف ترويض العقل السياسي العراقي، وقد كرر بوش الإبن عبارة النظام الدولي الجديد (243) مرة خلال خطاباته الرسمية في الفترة الواقعة مابين آب اغسطس 1990حتى آذار ـ مارس 1991، هذه الأوحدية وعدم وجود المانع مهّد لأمريكا تنفيذ سياساتها في العالم العربي والإسلامي لرسم خارطته السياسية بعد رسم خارطته الثقافية .

2-استعملت أمريكا أدوات الترهيب والترغيب للشعوب لتصدير فكرها السياسي، واستعملت لذلك مصطلح الإرهاب والضربات الاستباقية والعنف والديمقراطية والحرية والفدرالية وحقوق الإنسان لتمرير سياستها وايصال رسالتها الى الشعوب بأنّها منقذ المجتمعات البشرية من العنف وراعية السلام وحامية حقوق الإنسان أيّا كان وأين كان، خصوصا وهي تستعد لاحتلال العراق.
3-طوّعت الولايات المتحدة الأمريكية ـ إبّان هذه المرحلة لها ولتمرير سياستها ـ كل المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة وخندقت بعض الدول الكبرى وأوربا في خندقها للموافقة لها على سياستها في الشرق الأوسط الذي تريد أنْ يكون خطوتها اللاّحقة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي لتحتله عسكرياً بعد أنْ هيئت لذلك بقصف ثقافي مشدد في عموم العالم العربي والإسلامي، رافقه تجويع وحصار اقتصادي كما حصل في العراق وبعد أنْ أوعزت لعملائها من الحكام أنْ يوغلوا بالبطش على المجتمعات ليكون الفرد الشرقي والمجتمع أكثر استعداداً وقبولاً لاستقبال الإحتلال والتعايش معه، وربما نجحت بهذا المنهج في العراق الذي وجدناه كشعب قبل فكرة الإحتلال نوعاً ما أو بعض شرائحه لا اقل لفترة محددة

المهم في ظل هذه الظروف الدولية مررت الولايات المتحدة الأمريكية ثقافتها السياسية على الشعب العراقي وصدّرت إليه ما تريد من أفكار تمهدياً لاحتلال العراق كأحد نقاط تحركها في الشرق الأوسط، وأحد أهدافها لاحتلال العالمين الإسلامي والعربي ورسم خريطة جديدة للشرق بأكمله على أساس مشروعها «الشرق الاوسط الكبير» لتمرير مشروعها بعد المتغيرات الدولية وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ثالثا- إنَّ للمتغير الاقليمي في المنطقة وظهور الشيعة كقوة كبرى لها وجودها في المنطقة وتريد أنْ تحتل حيزها الحقيقي بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران وبعد التحرك الاسلامي في العراق دفع بأمريكا ومن خلال عملائها في المنطقة ليكونوا حصوناً مانعة كي لا يصل تأثير الفكر السياسي الثوري الى الشعوب ولكبح جماح الصحوة الاسلامية واخمادها قبل أنْ تتكامل في المنطقة التي تريد أمريكا أنْ تجعلها مسرحاً لمشروعها، وليكونوا حماة للمشروع الامريكي في المنطقة، وقد نهض صدام بأكبر دور بهذا الخصوص (حامي البوابة الشرقية) كما يسميه الإعلام الغربي. إنَّ هذه المرحلة (مرحلة الوقوف بوجه المشروع الاسلامي الثوري) الذي خططت له أمريكا يمكن القول: إنّ أغلب الحكام العرب شاركوا فيها، إلا أنّ الدور الأكبر نهض به صدام والبعثيون بأساليبهم العديدة من شن الحروب الى قتل العلماء واعتقال المفكرين ومطاردة القوى الاسلامية، والمراجع وهدم الحسينيات، ثم العمل قوياً على زرع ثقافة العدوان ضدَّ الصحوة الاسلامية ومفاهيمها وفكرها واشاعة الفكر البعثي بديلاً عن الفكر الإسلامي.

رابعا – قبل وأثناء مرحلة حكم صدام حسين، عاش العراقيون محنة لا يمكن أنْ يأتي المؤرخون على وصفها بوصفٍ مشابهٍ لما يحصل في تاريخ الشعوب المعاصرة؛ فالموت، والقتل والخوف، والجوع، والتنكيل، والانقلابات لم تغادر يوماً تاريخ ولا ذاكرة العراق والعراقيين.

كل من يطالع تاريخ العراق القريب لا أقل منذ انقلاب 1968 يجد العراق مأزوماً بالموت والقتل وأحداث رهيبة انعكست على نفسية الفرد والمجتمع العراقي بنحو جعلت التكوين النفسي للفرد العراقي تكويناً في غاية التعقيد تحدث عنه علماء النفس باستغراب واسهاب، والعديد من الدراسات شخصت الإحباط والميل الى الوافد للخلاص من الأزمات الحادة داخلياً، صحيح أنَّ التاريخ العراقي كله محن ودماء واشكالات وخوف وقتل جماعي وانقلابات سياسية، لكن يمكن القول: إنّ العهد القريب أي منذ انقلاب 68 كان عهداً مريراً هيّـأ النفسية العراقية لتلقي الوافد الثقافي أياً كان، هذا إذا أخذنا بنظر الإعتبار أنَّ وضع المواطن العراقي اشتد وتدهور في زمن صدام حسين؛ فإنّه من المؤكد أنّ الشعب العراقي خلال هذه المرحلة عاش محنة كبرى لا نبالغ إنْ قلنا: لا يوجد شعب على الأرض عانى خلال هذه المرحلة ماعاناه، فلم يبق شيء في قاموس الإجرام الصدامي وعصاباته البعثية الصدامية من قتل وتشريد واغتيالات ومقابر جماعية وغيره الا وقد مارسوه، فضلاً عن الحروب الضارية التي قتلت الملايين من أبناء الشعب العراقي.

الذي نريد ان ننتهي اليه ان المطابخ الامريكية ومنذ الحرب الباردة الى الان كادت ان تنجح في ايقاع العقل العراقي تحت موثراتها لخلق الاستعداد لتقبل مشاريعها وهذا هو الفخ الذي وقع ويقع فيه الواقع العراقي اليوم وساعد عليه الاخطاء الحكومية والممارسات السياسية وموشرات ما نقوله كثيرة ضد الاسلاميين السياسيين وان ( الفساد المالي وداعش) سوف يمكن المشروع الامريكي من ان ينفذ ثانية الى اعماق المجتمع العراقي ليحدث الهوة بينه وبين العملية السياسية ويجعل المواطن ميالا لاي مشروع امريكي لاحق خصوصا اذا سانخت مشروعها مع بعض ثوابته وقاربت واقتربت من تطلعاته والعاقل يفهم , واجراس الخطر تدق ونحن مقبلون على خريف العمر السياسي ولكن لاتسمعها الا ( الاذن الواعية). انتهى