أهل الرّعاية الإجتماعية في الدّستور العلويّ

محمّد صادق الهاشميّ

إنّ الفقرَ له آثارٌ خطيرةٌ في المجتمع أشارَ لها أميرُ المؤمنين (ع) ضمنَ النّصوص الواردة عنه :
(منها)- نصوصٌ بيّنتِ الآثارَ النّفسيةَ على الفقير، كقوله (ع): «الفقرُ الموتُ الأكبر»؛ لأنّ شدّة معاناة الفقير تجعلُهُ في موتٍ مستمرٍّ، لا ينقضي بزهقةِ روحٍ واحدة، بل تزهقُ روحُه في كلّ لحظةٍ لا يجدُ ما يغطّي به حاجته، وقال لقمان لابنه: «يا بني … ذقتُ المراراتِ‏ كلَّها فلم أذقْ شيئاً أمرَّ من الفقرِ».
(ومنها)- نصوصٌ بيّنتِ النّظرةَ الإجتماعيةَ للفقير، فقال: «… المقلّ غريبٌ في بلدته»: والمرادُ بـ «المقلّ» من كانت أموالُهُ قليلةً، فهو غريبٌ وإنْ كانَ في بلده، لقلّة أصدقائه، فالنّاس بطبعها تحبُّ الغنيَ لغناه، وتمقتُ الفقيرَ لفقره، فـ «مَنْ استغنى كرُمَ على أهلِه، ومَنْ افتقر هَانَ عليهم». وقال (ع): لابنه محمّد بن الحنفية : «يا بنيّ، إنّي أخافُ عليكَ الفقرَ؛ فاستعذْ بالله منه؛ فإنّ الفقرَ… داعيةٌ للمقت»، المقت: أشدُّ البغض والكراهية.
لا نعجبُ أنْ نجدَ في دستور عليّ (ع) نصّاً يبيّنُ الموقفَ الأبويَّ والشّرعيَّ من هذه الطّبقة الإجتماعية، فهو أبوهم، وهم أحبّاؤه، وإليك ما ورد عنه (ع) فيهم:
1. قال: « ثُمّ الله الله في الطّبقة السُّفلى»:
كرر كلمة الجلالة «الله الله» لتأكيد الإعتناء والإهتمام بهم وشدّة الرّعاية لهم، والمعنى: اتقِ الله، اتق الله. ثمّ سمّاهم «الطّبقة السّفلى» باعتبار أنّ النّظرة الإجتماعية لهم أنّهم لا وزن لهم إجتماعيّاً، بخلاف من تقدّمَ ذكرُه: من التّجّار وأصحاب الصّنعة، والقضاة، والجيش.
2. ثمّ بيّنَ (ع) مَنْ هم الطّبقةُ السّفلى، فقال: «… من الّذين لا حيلة لهُم، من المساكين، والمُحتاجين، وأهل البُؤسى والزّمنى». المراد بالحيلة: القدرة المادّية، فهؤلاء يجمعُهم أنّهم لا قدرة مادّية لديهم. و«البُؤسى»: جمع بائس، من البؤس، وهو شدّة الفقر. و«الزَّمنى»: هم المصابون بعاهةٍ في أجسادهم أو عقولهم، ويَقصدُ منه أصحاب العاهات التي تعيقُهم عاهاتُهم عن الإكتساب، فمن لم تمنعْه إعاقته عن العملِ فلا يدخلُ في ما نحن فيه.
3. ثمّ بيّن (ع): «إنّ في هذه الطّبقة قانعاً ومُعترّاً».
و«القانع»: هو الذي يرضى ويقتنعُ بما عنده، ولو كان كِسرةَ خبزٍ، ولا يكشفُ للنّاسِ فقره، وتحسبُه غنيّاً من شدّةِ تعفّفه، قال تعالى:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ}. وأمّا «المعترّ»: فهو الفقيرُ الذي يُظهرُ فقرَهُ، ويسألُ النّاسَ المعونةَ.
4. ثمّ بيّن(ع) لمالك: أنّ المالَ الذي بيده صلاحيةُ إنفاقِهِ إنّما هو مال الله أمانةً بيده، وقد استحفظه عليه: أي جعله مجرّد حافطٍ وأمينٍ عليه، فقال: «واحفظ لله ما استحفظك من حقّه فيهم»، فيجبُ عليه أنْ يسدَّ حاجاتهم من مال الله من موردين:
(أ). فقال: انفق عليهم ممّا تعطيكَ الدّولة من نثرياتِك الخاصّةٍ بك التي تُجعلُ لكَ بعنوانك ومقامكِ، فقال: «واجعل لهم قسماً من بيت مالك»، فإنّ هذا المالَ ليس لكَ بشخصك.
(ب). وقال: انفق عليهم من خزينةِ الدّولةِ، فإنّ الله جَعَلَ لهم فيها حقّاً، فقال:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ }، وانفق عليهم أيضاً ممّا تأخذُه الدّولةُ من الضّرائبِ التي تُفرضُ على الأراضي الزّراعية في كلّ بلد التي جعلك الله متولّياً عليها، وعبّر عنها بـ « غلاّت صوافي الإسلام في كُلّ بلدٍ»، فإنّ الضّرائب تُؤخَذُ من الأغنياءِ لتُعطى للمحتاجين، وبذلك يحصلُ التّكافلُ الإجتماعيّ.
5. ثم بيّن أموراً وملاحظاتٍ أخرى مهمّةً جدّاً:
(أ). «… إنّ للأقصى منهُم مثل الّذي للأدنى».
أي يا مالك: ينبغي أنْ لا تُعطي أقاربَك من هذه الطّبقة أكثر ممّا تعطي لغيرهم، بل اجعل لكَ ضوابط وقوانين في العطاء، تُطبّقُ عليهم جميعاً، ولا ينبغي أنْ يكونَ توزيعُ الحقوقِ عشوائياً مزاجياًّ، فلا تعطِ هذا درهماً، وذاك ألفاً بلا ضابطٍ. كما لا فرق في سدِّ حاجاتِ هذه الطّبقة بين من يسكنون المدن أو يسكنون القرى والأرياف.
(ب). «… لا يشغلنّكَ عنهُم بطرٌ».
أي يا مالك: لا يشغلُكَ عنهم توفّرُ النّعمةِ عندك، فتظنّ أنّ النّاس كلَّهم مثلك أغنياء، فلا يوهمُك ما أنت عليه من النّعمة أنّ الشّعب قد وصل حدّاً قد استغنى كلّه، فلا فقيرَ في البلد، قياساً على نفسك.
(ج). «… إنّك لا تُعذَرُ بتضييعك الصّغيرَ التّافهَ لإحكامِك الكثيرَ المُهمّ».
أي يا مالك: إنّك لو قدّمتَ لهم خدمةً كبيرةً جليلةً – كما لو بنيتَ لهم دوراً، أو وزّعتَ عليهم عقاراً، وأعطيتهم قروضاً للبناء – فإنّ هذا لا يُشكّلُ لك عذراً في أنْ تترك ما تعتبرُهُ صغيراً في نظرِكَ، كما لو لم تتابعْ أمرَ البطاقة التّموينيّة لهم، وتعتبره أمراً صغيراً، كلّا، يجب عليك أنْ تتابعَ حقوقَهم الكبيرةَ منها والصّغيرةَ.
(د). « … لا تُشخِصْ همَّكَ عنهم ‏».
أي يا مالك: لا تَتركْ إهتمامَك بهم إلى ما يشغلُك من أمورِ الحكومة، بل ينبغي أنْ تبقى على تواصلٍ في رعايتك لهم واهتمامك بهم، فلهم من متابعتك ورعايتك المباشرة حقٌّ لازمٌ.
(هـ). «… ولا تُصَعّرْ خَدَّكَ لهم…».
أي يا مالك: إنّ الفقيرَ مثلما تُضمنُ له أمورَهُ المادّية يجبُ أنْ تضمنَ له كرامتَه، فلا يُعطى مالاً بطريقةٍ تشعرُهُ بالمهانة. فلا تُصعّرْ خدّك : أي لا تملْ بخدِّكَ عنهم تكبّراً وتهاوناً واستصغاراً لشأنِهم، بل كُنْ مُتوجّهاً إليهم حينما تعطيهم مُشْعِراً إيّاهم بالإهتمام.
وكان أمير المؤمنين (ع) يراعي هذه الطّبقة إلى حدٍّ أنّه حرّم على نفسه أموراً مباحةً له، فقد سُئِلَ (ع): لماذا اقتصرتَ في مطعمِكَ على الجشوبة، وفي ملبسك على الخشونة؟ فقال: «ويحكَ إنّ الله عزّ وجلّ فَرَضَ على أئمّةِ العدلِ‏ أنْ يقدّروا أنفسهم بضَعَفَةِ النّاس كيلا يتبيّغَ‏ [يشتدّ] بالفقير فقرُهُ».
(و). «وتفقّدْ أُمُورَ مَنْ لا يصلُ إليك منهُم ممّن تقتحمُهُ العُيُونُ، وتحقّرُهُ الرّجالُ».
أي يا مالك: إنّ مِنْ الفقراءِ «القانعَ» المتعفّفَ الذي لا يأتي إليك ليسجّلَ اسمَه في دائرة الفقراء والرّعاية الإجتماعيّة. و«تقتحمه العيون»: أي إذا نظر إليه النّاظر لا يهتمّ به، وليس منظره منظراً يجلبُ العيونَ، بل تحتقرُهُ الرّجال، وعلى حدِّ تعبيرنا في العراق: «من تشوفه ما يترس عينك».
وقال: «ففرّغْ لأُولئك ثقتَكَ من أهل الخشية والتّواضُع، ممّن لا يحتقرُ الضُّعفاء، ولا يستشرفُ العُظماءَ، فليرفعْ إليك أُمُورَهُم، ثُمّ اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سُبحانهُ وتعالى يوم تلقاهُ، فإنّ هؤُلاء من بين الرّعيّة أحوجُ إلى الانصاف والتّعاهُد من غيرهم».
أي يا مالك: إنّ هؤلاءِ أجدرُ بالإهتمام والإنصاف والمحافظة على تعفّفهم، فاجعل لهذا العملِ أشخاصاً ممّن تثقُ بهم وبدينهم في احترامِهم الفقراءِ والحفاظ كرامتهم، متفرّغين لهذا العمل متخصصين به يبحثون عن أولئك الفقراءِ، وليكتبْ إليك ثقاتُك بتفاصيلِ شؤونِ هؤلاءِ المتعفّفين، ثمّ إعمل بما يكونُ لكَ عذراً بينك وبين ربّك في حقّهم، ولا تكلّفهم أنْ يراجعوك بأنفسِهم العفيفة فتذهب بماء وجوههم، حَافظْ على تعفّفهم.
(ز). «ثُمّ إنّهُ لا تسكُنُ نُفُوسُ النّاس أو بعضهم إلى أنّك قد قضيتَ حُقُوقَهُم بظهرِ الغيبِ دُون مُشافهتك بالحاجات، وذلك على الوُلاة ثقيلٌ، والحقُّ كُلُّهُ ثقيلٌ».
أي يا مالك: إنّ نفوس الفقراء قد لا تكتفي بما يعطون من رواتبَ من خزينة الدّولة، بل سيأتون إليك ويطلبون منك شخصياً؛ لأنّهم يتوقّعون من الحاكم تكريماً خاصّاً وشيئاً زائداً على رواتبهم، وربّما يكون ذلك ثقيلاً عليك؛ لأنّك قد أعطيتهم حقوقهم، فلا تنهرْهُم.
نسأل الله التّوفيق لأخوتنا ممّن مَلَكَ زمامَ الأمورِ أنْ يهتمّوا بهذه الشّريحة، التي هي طالما تكونُ أوّلَ مَنْ يُضحّي للوطن، وآخر من يستفيد منه.
كُتبت بتاريخ: الخميس 13 / 6 / 2019م