التجاذبات الكروية رسائل سياسية

حامد البياتي

من مفارقات السياسة اللعوب وضبابيتها، انها تؤثر على الحياة وتعبث في مفاصلها، وتنومها مغناطيسيا، وتجعل منها قيحا وعفنا كوجه صدام العفلقي ومحمد بن سلمان واولاد شيخ زايد الذين طالما ظلموا من لجأ اليهم فارا من وحش الطاغوت او الفاقة، فلم يحسنوا وفادتهم ويكرموا قراهم، وانما قاموا بتعذيبهم وامتهان انسانيتهم، وفوق ذلك تسليمهم لحكوماتهم الظالمة المتفرعنة، كما حصل مع العراقيين الذين لجؤوا الى خيامهم الشيطانية، وقد ظنوا انهم في مأمن وهم في جوار دولة الامارات ، فباغتهم الهلاك من حيث امنهم، وتم اعتقالهم وتعذيبهم ثم تسفيرهم وهم متوشحين بالاصفاد الى نظام العفالقة، الذي قام بطحنهم وقبرهم٠
والرياضة وكرة القدم بالتحديد، وهي احدى نشاطات الحياة وفعاليتها، تلك اللعبة الشعبية التي توصف بصاحبة الجلالة، حيث يعشقها الرجال والنساء والبراعم والشباب، وتعتبر البوابة الواسعة والقادرة في تنظيم النفوس وتهذيبها باتجاه التعامل الكريم مع الاخرين، ولو كانوا على غير مذهب او دين او قومية، بل حتى لو كان الاخر دولة خصمة وذات نظام سياسي مخالف ، وكل ماتقتضيه هو عرض المواهب والفنون بعيدا عن سلطة الدولة ورجال الحكم٠
ان الروح الرياضية ينبغي ان تكون في حل من، امر السياسة ودسائسها، وحساب الارباح وغنائم الحروب، وعليها ان تصول وتجول وفقط في الملاعب والساحات وامام المدرجات،لان هذا عالمها وقيمها ومبادئها المثالية والاخلاقية، فان امكنها واوتيت من القوة والتاثير ان تصلح ماافسدته السياسة والسياسين، وعن حسن نية ودون اجندة مخلة، فبها ونعمت، ولكننا لم نرى ثمارا في ذلك، وحتى في الدول الكبيرة في ديمقراطيتها ومؤسساتها الدستورية، وللتدليل على ذلك، فان فريقا اولمبيا نرويجيا شارك في دورة سوتشي الرياضية الروسية في عام ٢٠١٤م وحصل على جوائز، الا ان الخلاف بين البلدين مازال قائما على ارخبيل سفالبارد في المحيط المنجمد الشمالي والذي يتمتع بحكم ذاتي منحه النرويج له، وفي نفس الوقت مازالت مملكة النرويج تشتكي اقتحام الصيادين الروس لمياهها الاقليمية وبشكل غير شرعي، على الرغم من تثبيت الحدود البرية بينهما، وقد انفجر الخلاف بينهما اخيرا على ضوء مناورات الناتو التي اجراها مؤخرا في المنطقة الشمالية المتاخمة مع روسيا التي غضبت كثيرا فاطلقت الصواريخ وارسلت الغواصات في مناورات معاكسة، والجدير بالاشارة ان القوات العسكرية النرويجية وبافتخار فتحت الفرصة للنساء، في دخول السلك العسكري، وكانت احدى سفنها بيد امراءة، فاصطدمت باحدى ناقلات النفط الحديدية مما ادى الى غرقها تماما وتم انقاذ المجندات التي كن على ظهرها، وتقدر قيمتها بثلاث مليارد كرون، مما دعا روسيا ان تتندر وتتفكه على الحادث، ومما قالت ان النرويج خسرت سفينة وهي في معرض المناورات فكيف اذا وقعت الحرب واصطكت المدافع والقنابل٠
وكذلك عجزت الرياضة في راب الصدع مابين اليونان التي كانت تعاني من افلاس خطير لمؤسساتها المالية، في لعبتها لكرة القدم مع المانيا القوية والمتراسة لمنطقة اليورو والتي كانت تفرض على اليونان سياسة مالية متشدده بتقشفها، لتسديد ديونها، فظهرت جليا الروح المتازمة والواجمة بين الفريقين وهي انعكاس للسياسة المتشابكة بينهما وذلك في عام ٢٠١٢م٠
والصهيونية امتطت صهوة الرياضة ودخلت بلدان افريقية وجزر خليجية، ونجحت في التطبيع معها وقد فطن الى الاعيبها رئيس وزراء ماليزيا فمنع اعطاء تاشيرات الدخول لرياضيها للمشاركة في المسابقة الدولية للسباحة في دولته، فشنت عليه الحكومة الاسرائيلية حملة مسعورة بحجة معادته للسامية٠وهي تهمة معلبة وجاهزه ترمي بها كل من يخالف طموحها٠
ماجرى مؤخرا في بطولة كاس اسيا لكرة القدم التي استضافتها دولة الامارات، حيث ظللت السياسة الكثيفة مباراة السعودية وقطر، وقد تناولت وسائل اعلامية وفضائية، ومراسلين صحفين ورياضين تغطية هذه المعركة الجيو سياسية بين الطرفين وعلى ارض تشارك السعودية في حصارها الاقتصادي على قطر٠
وكما هو المعروف، فالرياضة الخليجية تشكل جزءا كبيرا من القوة الناعمة في الحكم، حيث تمتلك نوادي عالمية واوربية، وما ازدياد الحنق والغضب على قطر، الا حينما حازت على بطولة كاس العالم لعام ٢٠٢٢م٠
لقد نزعت الامارات روحها الرياضية، وارتدت القفازات بوجه قطر، ولم تتعامل حياديا معها، حيث منعت دخول جماهيرها ومشجعيها الى ارض الملعب، وهو مااعتبرته اللجنة المؤسسة للبطولة، بانها اقحام للسياسة في الرياضة، في حين تراكمت الجماهير السعودية المشجعة لفريقها، والتي سخرت حتى من النشيد القطري، ومن اللاعبين انفسهم، ومع هذا كانت النتيجة ضدهم٠
لقد ظهرالتهافت والشرخ بين الاخوة الاعداء، ففي الوقت الذي تلاعب الامارات وبكل ود فريق الجودو الاسرائيلي في مسابقة غراند سلام، والذي يرفع علمه ويعزف نشيده مع كل ميدالية ذهبية يفوز بها ، وهذه ليست المرة الاولى التي تستقبل بها المشاركات الصهيونية، كان الاجدر بها ان تراعي الاخلاق العربية والاسلامية في احتضان القطريين الذين ينتمون كلهم الى اشاجع وعصبة وارومة واحدة ويكتنفها دين واحد٠
ان اهدار مليارات الدولارات على نوادي ومدربين واستيراد لاعبين على حد تعبيرهم بالدوليين، والدخول في حروب اهلية، نوع من الحمق المركب، وفي نفس الوقت، تاركين الجوع والفقر ينهش لحوم الملايين من البشر، بحجة رفع شان البلدان وانتشار سمعتها ورايتها، ذاهلين عن حقيقة بناء البلدان بالعلم والاقتصاد المتين والصناعات التي تغزو الاسواق والسياسة الحكيمة التي تعطي لكل ذي حق حقه، ولنا في الهند هذا البلد الذي لايقل عن اكبر دول العالم تنافسا على الصعيد الانتاجي والديمقراطي لم يلتفت الى ساحات الكرة وانما يمم وجهه الى شعبه والى مايسد حاجاته ويشبع فضوله التكنولوجي والانساني٠
قال تعالى في محكم كتابه المجيد ( ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا )٠
صدق الله العلي العظيم٠

حامد البياتي
٢٠/١/٢٠١٩