سياسة الخرطوم بلغت الحلقوم

حامد البياتي

العصا الغليظة السوداء التي لاتفارق يد المشير، عمر البشير، وكانها طرفه الخامس، لايهش بها على رعيته، لانه ليس من صالح الرعاة، ولكن له فيها مآرب اخرى، فانه يرعد ويزبد بها الناس التي كرهت حكمه الطويل ، وخرجت عليه في مظاهرات سلمية تنادي بازالة نظامه، فقتل منهم وبالرصاص الحي والمباشر٤٠ عنصرا لحد يومنا هذا، في حين ان اصحاب الستر الصفراء الذين يخرجون كل سبت لم يقتل منهم الا ثمانية فقط وليس برصاص السلطة وانما من جراء الحوادث المصاحبة للمظاهرات، ومما ورد ان احد رجال الشرطة الفرنسية حوصر من قبل المتظاهرين فاضطر الى اشهار مسدسه للتخويف به فقط لان القانون يحرم عليه استخدام سلاحه ضد المواطنين، وتمكن من الافلات منهم، وربما يتعرض الى محاكمة من جراء فعله هذا٠
تولى الحكم ومنذ عام ١٩٨٩م، حيث قام بانقلابه ( الانقاذ ) مع شريكه حسن الترابي الذي تغير عليه واودعه السجن بالرغم من انه كان الاب الروحي للحكومة والبرلمان وبما فيهم البشير نفسه٠
ثلاثة عقود بليلها ونهارها، وعجاف سنينها من حكمه، الذي من اظهر معطياته، ان السودان، بالرغم من احتضانها اكثر من ٢٠٠ مليون فدان زراعي وتسعة انهار جارية بروافدها العذبة التي تعصى على العد، تحول الى بلد يشتري لقمة الخبز من بعد ان كانت مائدته تتراكض عليها الوان الاطعمة والاطباق، وتاكل من خيراتها شعوبا وقبائل واوطانا٠
سلطة البشير بدات بالتغول منذ باكورة الانقلاب، اذ اخذت تسيطر على كل الاستثمارات والمعاملات التجارية وبالتالي على الاقتصاد السوداني برمته، ومما يذكر كمثال، ان البشير دخل في مواجهات حادة مع مالك توكيل سيارات التايوتا والتي يطلق عليها محليا بتاتشر تيمنا بالسيدة البريطانية الحديدية، نظرا لقوتها وقدرتها على العمل في اجواء ومناخات وبيئة السودان الصحراوية وطرقة الجبلية والطينية، وعلى هذا، اخذ يسلح تاتشر بمدفعيات ورشاشات خفيفة، ويستخدمها بحروبه في دارفورد وجنوب السودان قبل انفصاله ومناطق النزاعات الاخرى٠ وحينما رفض مالك التوكيل مامون عبد العال وكان ابوه يملك وكالتها حصريا من اليابان ومنذ عام ١٩٤٨، هرب الى مصر بعد ان شعر ان حياته اصبحت مهددة، فارسل الى اليابان وفدا من اجل سحب الوكالة القديمة وعقد اخرى جديدة، بعد ان قام باغرائها بشراء ٣٠٠٠ سيارة تايوتا لاندكروز رباعية الدفع، كمرحلة اولى ثم تليها دفعات اخرى تباعا٠
وتطور الامر، فاستورد جهاز الامن والمخابرات وخلال عقد من الزمان ٣٥ الف سيارة تاتشر ( سيارات الموت ) قيمة الواحدة منها بين ٧٠ الى ٨٠ الف دولار استخدمت في حروب تشاد، افريقيا الوسطى، جنوب السودان ودارفورد، وتتم الصفقات بطريقة ملتوية تهربا من العقوبات الامريكية وحصارها الاقتصادي، وذلك من خلال عمولات بنكية سوداء يتم تبيضها فيما بعد عن طريق الامارات ٠
ومن عوراته السياسية العديدة، انفصال السودان النفطي في عهده ، وازمة دارفورد، البالغ نفوسها ثمانية ملايين، والتي تعتبر مساحتها اكبر من كالفورنيا ومساوية لفرنسا، وهي من اهم المحافظات السودانية لخصوبتها وثمارها وحبوبها ومياهها، والتي حاولت الانفصال ومازالت، وقد راح اثر ذلك ٢٠٠ الف قتيل وتشريد مليونين، وقد خاض من اجلها ومن اجل السودان كله الذي كان يضم جنوب مصر والسودان الحالي وتشاد ومالي وحتى افريقيا البيضاء، محمد احمدالمهدي رحمه الله، وهو الجد للقائد الصادق المهدي، ثورة عارمة ضد الاستعمار البريطاني وقتل منه ستة الاف جندي في معارك استمرت من عام ١٨٨٣-١٨٩٩م٠
وعمر البشير ايضا، الميكافيلي الذي يغير جلده لمن يدفع اكثر، فيوما مع قطر واخر مع خصومها، طلبا للربح والمال السياسي، ولكنه خسر في صفقته الاخيرة مع خط السعودية- الامارات، فبعد ان بعث بمرتزقته للقتال في اليمن، لتحسين صورته امام الغرب ولالغاء المحكمة الجنائية الدولية التي تلاحقه حتى في الجو ، وقد قتل منهم خلقا كثيرا، وذهبوا هباءا منثورا، ثم لم يوفى اجره، وانما تواصلت المؤمرات لالحاقه بالقذافي وبقية العاهات الديكتاتورية النافقة، ومن اجل تقسيم بلاده، والبلدان الكبيرة الاخرى كالعراق وليبيا وتركيا وايران وافغانستان وربما باكستان ايضا، ضمن اجندة مريبة تهدف الى صهر المنطقة وتقوية عدوتها٠
لااحصي سيئات الرجل، ولسنا ممن يتاسف على رحيله، ولكن يجب تسليط الضوء على الواقع وقرائته بدقة، فان كان الارتباك والمجهول والاقتتال كما هو الحاصل في ليبيا واليمن وجميع المناطق التي خرقها مايسمى الربيع العربي، نتيجة تغييره، فهذه طامة، وان كان البديل، تحالفا متجانسا يضم احزابا واطيافا سياسية وقوى للمجتمع المدني والاهلي والحقوقي والاعلامي والانساني، تتصالح فيما بينها على قيادة عتيدة حتى لايقع السودان في الفراغ ويذهب في غياهب ومهالك الحروب الاهلية فهو امر يفضله كل منصف٠
نعلم ان الاخواني بشير في وضع لايحسد عليه، وان ظفر بالحصانة التي تقيه المحاكمات وخصوصا الدولية، لالقى حبلها على غاربها، ولزهد في كل شئ، الا في رقبته التي تطاردها بالثار والانتقام الكثير من العصي والهراوات٠
قال تعالى في كتابه المجيد ( سنسمه على الخرطوم )٠
صدق الله العلي العظيم٠
حامد البياتي٠
١٤/١/٢٠١٩