أضواء على زيارة مسعود إلى بغداد.

محمّد صادق الهاشمي.

زار مسعود البرزاني بغداد بتاريخ 22-11-2018 ، وكان باستقباله رئيس البرلمان العراقي السابق سليم الجبوريّ ، والسيد أبو حسن العامري وآخرون ، وهذه الزيارة تحتاج إلى إيضاح بسبب احتدام النقاش فيها والنظر إليها من محاور وهي :

أوّلاً : أبعاد هذه الزيارة :

1. أنّ مسعوداً أدرك أنّ الحلّ في بغداد لا في جبال أربيل ؛ فإنّ الكثير من المشاكل بين كردستان وبغداد والتي كان مسعود يعتقد أنّ الحلّ يكمن في أنْ يمارس القوّة والتمرّد على بغداد من خلال الكثير من المواقف إلّا أنّه – وبعد فشل الاستفتاء بتاريخ 25/10/2017 – أدرك أنه لا يمكن الحلّ إلّا من خلال بغداد ، خصوصا بعد الهزيمة التي مُني بها عسكرياً وأمنياً في كركوك .

2. أنّه أدرك أنّ المحيط الدوليّ والإقليمي مع دفع مسعود للحوار مع بغداد ، وليس مع الانفصال ؛ فإنّ الكثير من المواقف أكّدت له أنّ الموقف الدولي ليس معه ، ولا يمكن أنْ يقف المجتمع الدولي معه لا في فكرة الانفصال ولا في أيٍّ من مطالب مسعود ؛ لأنّ أمريكا لا تضحّي بالعراق النفطي لأجل أربيل ، من هنا اتجه إلى أنْ يستمدّ قوّته ولو مؤقّتاً من الداخل ، بعد أنْ كان يتوهّم أنّ الخارجَ هو مصدر قوّته .

3. جاء لينافس برهم صالح على بغداد ، لكي لا يستقوي الاتحاد عليه بها ، أي إنّ مسعوداً شعر أنّ الموقع (رئاسة الجمهورية ) الذي احتلّه برهم – وبالتالي خصوم مسعود ، وهم الاتحاد الديمقراطي – جعل موقع مسعود موقعاً ثانوياً ، فأدرك أنّ سياسته السابقة – من عدم إيلاء المركز أهمّية ، ومن إضعاف المركز من خلال إيواء البعثيين ، وخلق الصراعات ، ودعم الاعتصامات – لا تجدي نفعاً له ، ولا تمنحه القوّة ، بل القوّة مصدرها بغداد , ومن يطالع مراكز الدراسات الكردية الخاصّة جدّاً يجد أنّها تحدد بوصلة التوجّه الأمريكي باتجاه تقوية بغداد مهما كانت التقاطعات .

4. جاء مسعود إلى بغداد وهو يخطط من خلال الزيارة أنْ لا يعترف ببرهم صالح ، لذا وقّت زيارته لبغداد وقت سفر برهم إلى إيطاليا ؛ لأنّ مسعوداً كان مصمماً على عدم عقدِ لقاءٍ برهم مهما كانت الظروف حتى لايعترف به رئيسا للعراق .

5. كان ومازال يخطط ومن خلال زيارته أنْ يحسم موضوع النفط والموازنة والأراضي المتنازع عليها وكركوك وباقي الوزارات إلّا أنّه يركّز على كركوك ؛ لأنّ موضوعها مهمّ جدّاً بالنسبة له ؛ لأساب تتعلّق بضمّ العدد السكانيّ في كركوك إليه ، كما أنّ له مطامع بالنفط في كركوك تتعلّق بتعميق نفوذه في العراق وفي الإقليم سياسيا واقتصاديا ، وهذا يتمّ بدفع وتخطيط من الشركات الأجنبية والإسرائيلية التي لها استثمارات في نفط كركوك .

6. جاء ليعيد لشخصيته الدور الكرديّ الأوّل في العراق من خلال ما يجده من اهتمامٍ واستقبال مهمّ من مختلف الشخصيات العراقية ، هذا فضلا عن تسليط الجهاز الاعلاميّ العراقي عليه وعلى الاستقبال المهمّ له ، وحجم الحمايات المرافقة له ، والعناية الفائقة به ، وطبيعة الشخصيات التي يقوم بزيارتها .

7. جاء ليعيد المياه إلى مجاريها ، وليعمق عزلة العباديّ ، فإنّ مسعوداً يدرك أنّه بمزيد من العلاقات مع قادة العملية السياسية في بغداد يتمكّن أنْ يكون له موقع مهمّ ينتصر به على خصومه في الإقليم ، وعلى العبادي في المركز ، الذي كان السبب الأوّل – حسبما يبدو – في هزيمته بعد الاستفتاء ، كما يعتقد مسعود ، وإنْ خالف الواقع نوعاً مّا .

8. الزيارة هي دعم للسيّد عادل عبد المهدي ، إذْ بات معروفاً كم بينهما من تفاهم في الوقت الماضي والقريب ، وقد يكون هناك تفاهم وشيك ، وهذا الدعم لم يكن أمراً يبدأ وينتهي بالمجاملات ، بل سوف يترتّب عليه الأثر والأثر المتبادل ؛ لأنّ عادلاً هو الشخصية العراقية الأكثر ميلاً ، لمنح الأكراد مزيداً من المميزات ، وإنْ كانت على حساب الآخرين ، وهو الذي منحهم نسبة 17% من الموازنة عام 2004 ، بعد أن كانت حصتهم المقررة هي 13% ، لذا فإنّ مسعوداً يأمل الكثير من السيّد عادل .

9. اللاعب الأمريكي ماكيغورك هو من دفع مسعود إلى الحوار مع بغداد ، وعدم ترك بغداد بيد الاتحاد والتغيير وباقي الخصوم الأكراد ، ولكي لا تبقى بغداد بيد إيران .

10. مسعود سوف يربط نفسه قوّيا بالشيعة أكثر من أيّ وقت مضى ؛ لأنّه أدرك أنّهم السبيل إلى قوّته الإقليمية بعد تمزّق المحور العربيّ الذي كان يبني عليه رمال آماله على مستوى الخليج وحتى السنة في الداخل العراقي .

11. مسعود عاد لينسّق مع الشيعة بعمق ؛ لأنّه أدرك أنّ مرحلة الطائفية في العراق قد انتهت ، وأنّ شيعة العراق بعد داعش تمكّنوا من تثبيت وجودهم في الدولة العراقية ، وأنّهم يمتلكون قوّةً داخليةً وإقليمية أفضل من قوّة المحيط الخليجي والتركي الذي كان مسعود يعوّل عليه ، ويعتبره مصدر قوّته .

12. إنّ زيارته لبغداد لا يعني أنّه قد غادر الماضي ، وتنازل عن قناعاته وأفكاره ومخططاته في الانفصال والهيمنة على النفط والتموضع في مواضع أكثر من مساحة كردستان . بلى لم يتنازل ولم يتغيّر لكنه أرجأ الخوض فيه لامتصاص الصدمة الشعبية.

ثانيا : تبريرات القوى السياسية التي استقبلته .

لقي مسعود البرزاني استقبالاً مهمّاً ، وتشجيعا على هذه الزيارة من قبل المحورين البناء والإصلاح بدرجة متساوية ، ومنهم من استقبله في المطار ، وآخرون أقاموا له الولائم ، وآخرون فرشوا له السجادة الحمراء ، ومن الطبيعي أنّ للقادة الشيعة تبريراتهم في هذه المواقف ، وهي :

1. الأجوبة نقلا عن المقرّبين من القادة الشيعة :

(أ). أنّ مسعوداً في حالة ضعف وبها يمكن إرجاعه إلى بيت الطاعة ، ولابد من احتوائه مهما أمكن لكي لا يكون أداة طيّعة بيد آل سعود وآل صهيون لضرب الأمن في العراق ، ولكي لا يتمرّد في انتاج واحتواء الارهاب والبعثيين ضدّ العملية السياسية ثانيةً ، وحتّى لا يدعم داعش والرايات البيضاء والنقشبندية .
وأمّا موضوع كركوك فلا يمكن التنازل عنه ؛ لأنّ الدستور يحكم بها أنْ تكون تحت سيطرة المركز شروعا من الخطّ الأزرق إلى ما قبل 70 كيلو من كركوك .

(ب). ويرى آخرون أنّ الرجل وإنْ كان انفصاليّاً إلّا أنّه بوضع حرج بسبب الاحباط الذي يعانيه ، والعزلة ، وتهديد مستقبله السياسيّ الشخصيّ من الأحزاب الكردية التي تعارضه ، وفقده للإسناد الخارجي ، كلّ هذا جعله بموقف لا يمكنه الذهاب إلى عقلية الجبال وعقلية الانفصال بعد فقده الكثير من عوامل قوّته السياسية .

(ج). ويرى آخرون أيضاً أنّ احتواء الرجل من قبل الشيعة أفضل من أنْ يكون احتواؤه من قبل السنّة ، سواء أكانوا المحور أو الوطني ، أي سنّة البناء أو الاصلاح ، فلابدّ أنْ يكون الاحتواء والاستقبال من قبل الشيعة ، سيّما أنّه يريد أنْ يكون قوّيا من خلال الشيعة ؛ لأنّه يعلم أنّ القوّة في بغداد هي بيد الشيعة ، وليس بيد السنّة ، وقد جرّب ذلك ، وكان يتحدّث قبل تشكيل الحكومة بأنّه سوف يفاوض بغداد على تشكيل الحكومة برؤية موحّدة بينه وبين السنّة في العراق ، وأنّ تفكيك العلاقة بين السنّة ومسعود يجعل الشيعة في سيطرة تامّة على كلّ الملفّات السياسية ، وكما تمّ احتواء السنّة الارهابيين من جماعة خميس الخنجر بنفس الدرجة ولنفس السبب وبنفس الطريقة يتمّ احتواء السيد مسعود البرزاني الآن .

(د). إنّ مسعود يعلم أنّ قرار (كركوك ) لا يمكن لأيّ جهة سياسية شيعية أو سنّية كانت أو غيرها أنْ تحسمه لصالح مسعود أو غيره ؛ لأن قرارها ليس بيد الأحزاب ، بل بيد البرلمان والحكومة ؛ لذا فإنّ استقبال السيد العامري – مثلا- لا يمكن أنْ نفسره بالتنازل لصالح مسعود في موضوع كركوك سيّما أنّ الكرد جميعا وحتّى مسعود يعلمون بموقف السيد العامري وبدر من مشروع مسعود في الانفصال ، وأنّ العامري كان له الدور الكبير في ترتيب دخول الجيش العراقيّ والحشد والشرطة الاتحادية إلى كركوك ، فلا يمكن أنْ يمنح كركوك ثانية لمسعود ، سواء أكان القرار بيده أم بيد الجهات الحكومية والسياسية الأخرى . ونفس الكلام يصحّ من باقي القوى الشيعية وبنفس الدرجة .

(هـ). إنْ همّ مسعود الآن في ظل الظروف المحيطة به هي أنْ يستعيد قوّته ومكانته فلا يمكنه أنْ يهمّ باستعادة كركوك وقد اخفق فيها في أوج قوته .

(و). إنّ قرار كركوك لا تقرره الجهات الحكومية فقط ، ولا حتّى السياسية الشيعية ؛ لأنّ قرارها بيد أبنائها : التركمان ، والعرب السنّة ، والكرد محور الاتحاد وكرد السليمانية أيضا .

ثانيا : رأينا في هذا المقام :

(أ). نحن متّفقون مع ما ذهب إليه السياسيون في كلّ النقاط التي سبق ذكرها ، إلّا أنّ ثمّة أهدافا سياسيةً لكلّ حزب وشخصية ومحور استقبل مسعود يريد توظيف استقباله لمسعود باتجاهها وهي مشروعة بالاجمال .

(ب). إنّ منظمة بدر الان – بعض تصدع حزب الدعوة وانشقاق الحكمة عن المجلس – يسعون أنْ يكون لهم الدور الأوسع في العملية السياسة ، فهم المنظمة الوحيدة التي لها علاقات جيّدة مع كلّ الأطراف الشيعية من المحورين (الاصلاح ) و (البناء) ، وهكذا له علاقات جيّدة مع السنّة والكرد أيضا وهذا منطلق ومبنى أساسي لبدر في رسم طبيعة تعامله مستقبلا مع الأحزاب العراقية ، بروحية مختلفة عمّا كانت عليه ، بعد أنْ أهّلته المواقف إلى مواقع سياسية مهمّة مساوقة أو موازية أو تزيد على بعض الأحزاب . ونفس الكلام يصحّ من سائرون فهما يتنافسان على تقاسم الفراغ الذي تركه حزب الدعوة والمجلس حكوميا ونوعاما سياسيا .

(ج). إنّ السيد العامري محسوب على الحشد الشعبيّ وخطّ المقاومة (قائمة الفتح) ، فإنّ تنسيق المواقف مع السنّة والكرد يمهّد للفتح الكثير من الاستقرار السياسيّ والأمني والقانوني ، ويُنهي التوتر بين الفتح وخطّ مسعود الذي كان يهاجم الحشد الشعبي ، ويلصق به التهمّ ، ويكيل له الشتائم ، كما تمّ إنهاء التوتر بينه وبين الخطّ السنّي المتوتر الذي يقوده خميس الخنجر ، وإنّ نزع فتيل الأزمة وخلع الصواعق السياسية مهمّة للعملية السياسية .

(د). القادة الشيعة اطّلعوا بدقّة على أنْ برنامج مسعود في زيارته لبغداد لا يمكن أنْ يكون موضوع كركوك ، بل حتّى لو طرحه فإنّه يجد الردّ الحاسم بعدم الموافقة , نعم إنّ مسعود لا يترك موضوع كركوك ، ولكن لا كُلّ ما يطلبه مسعود سوف يستجيب له الشيعة ، والدليل هي المواقف السابقة.

خلاصة القول :

هذه هي الأقوال بخصوص استقبال واهتمام القادة الشيعة بمسعود وترتيب زيارته واستقباله ، ولكنّ من الحري أن نشير إلى مايلي :

1.ان مستقبل الأيّام سوف يكشف حقيقة الأمر ، ومن المهمّ أنْ نراقب ونحرّك جميع أجهزة المراقبة والمتابعة والرصد لمعرفة ما يطرح في الكواليس في موضوع كركوك وغيرها ، وحينها يكون لكلّ حادث حديث .

2.ولا ننسى أنّ السيد عادل عبد المهدي يعتبر الزيارة نصراً له ، لأنّه تمكّن أنْ يفتح الأبواب بين بغداد وأربيل ، وهذا دليل على نجاح سياسته السابقة ، وأنّ مسعوداً سوف يمنح عادل الدعم.
وآخرون يقولون : إنّه سوف يمنح البناء الدعم ، ومنهم من أكد بأن عبدالمهدي سوف يتنازل لمسعود عن كركوك، ولكن لا يمكن لعادل أنْ يتجاوز إرادة القوى الشيعية ، والتي تعادل من حيث القوّة كلّها أو كلّ منها عام 2018 قوّة عادل ، وهذه إحدى مميزات العملية السياسية الشيعية في هذه المرحلة، وبعبارة أدق لايمكن لعادل أن يمنح مسعود شيئا فان طبيعة المعادلة السياسية تغيرت تماما ولم يعد رئيس الوزراء عادل كان او غيره قادرا على أي اجتهاد بهذا الحجم خصوصا كركوك ، والله العالم.