اضواء علي العلاقات العراقية القطرية بعد عام 2017

محمّد صادق الهاشميّ

أوّلاً : توجّهات السياسة الخارجية لقطر في العراق.

1. تعتبر قطر إحدى الدول التي كانت تمثّل رأس الحربة في السعي لإسقاط دولة العراق بعد 2003 م ، وكانت متحالفة ومتفقة مع السعودية والخليج لعزل العراق عن المحيط العربيّ ؛ كون الشيعة هم الحاكمون فيه ، ويحتلون المناصب السيادية ، فتحوّلت قطر إلى مستقرٍّ للقيادات البعثية ، وقيادات الحركات الإخوانية المعارضة للحكم في العراق ، وموّلت العديد من الحركات الإرهابية في العراق وعلى رأسها القاعدة ، وملفّات الاستخبارات العسكرية وما تسرّب منها عبر الاعلام تؤكّد أنّ قطر كانت راعيةً بقوّةٍ القاعدة في العراق .

2. قطر امتنعت من زيارة العراق ، أو استقبال أيّ مسؤول عراقيّ إلا للبعض النادر وهي لا تمتلك صفة رسمية .

3. قطر امتنعت من حضور مؤتمر القمّة العربيّ الذي أُقيم في العراق عام 2010 م ، ولم ترسل حتّى سفيراً لها .

4. قطر حاولت أنْ تدعم داعش بقوّة ، وتساند الكثير من العناصر الداعشية ، مع أنّهم يختلفون معها في كونهم سلفيين .

5. قطر دعمت مؤتمرات لحزب البعث علانيةً ، ولا زلنا نتذكر وزير الخارجية القطريّ حينما زار العراق في عام 2015 ، فقد كان يتحدّث بلهجة الوصاية نيابة عن البعثيين في العراق متّهماً الحكومة العراقية بالتقصير ، وتهميش بعض المكوّنات .

6. قطر هي مَنْ رعت مؤتمر حزب البعث في الدوحة بتاريخ 5 سبتمبر 2015 وحضره البعثيون بقيادة المرشديّ ، وحضرته كلّ الفصائل التي رفعت السلاح ضدّ العملية السياسية في العراق وضدّ الشيعة بالخصوص .

7. لا يمكن أن تنسى الأجيال الدور الذي لعبته قناة الجزيرة في تحطيم الأمن وقلب الحقائق وشنّ الهجومات المتكررة على الشيعة في العراق ، وتأليب البعض على البعض الآخر ، وكانت سبب لحروب دموية في العراق ، ولقد لعبت دوراً في تشويه صورة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق والعالم العربيّ وصوّرتها خطراً محدقاً يجب مكافحته .

8. قطر بعد الخلاف بينها وبين السعودية عام 2017 إثر زيارة الرئيس الأمريكي في 20 / 5/2017 إلى السعودية حينها نشأ الخلاف ، وله أسباب عديدة قبل هذا الحدث وبعده ، وأصل الخلاف هو النزاع بين السعودية وقطر على الأراضي القطرية الحدودية ، وأنّ السعودية تصرّ على أنّ قطر كانت جزءً من السعودية ، هذا فضلا عن الخلاف على زعامة الخليج ، وإثر هذا الخلاف أخذت قطر تتواصل زياراتها للعراق ، وتحاول أنْ تستعيد علاقاتها العربية إثر العزلة من خلال العراق.

فكانت الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية القطريّ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني بتاريخ 7-11-2018 م ، والتي دعا فيها الحكومة العراقية إلى توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية ، وعقد صفقات اقتصادية في مجال الطّاقة والغاز ، بل بالغت قطر في الطرح إنْ أرادت أن تقيم مع العراق وسورية وتركيا وإيران اتفاقات أمنية مشتركة ؛ لأنّ قطر تشعر بجدية الخطر من السعودية والإمارات ، وهذا الخطر يتمثّل بخطر اقتصاديّ وسياسيّ وأمنيّ وعسكريّ وعزلة دبلوماسية .
*
ثانيا : دور قطر في العراق.

يمكن أنْ يقسّم الباحثون دور قطر في العراق إلى ثلاث مراحل :

1. في زمن صدام حسين كانت قطر داعمةً لصدام ، وكانت العلاقة بينهما جيّدةً ، بل أفضل علاقات صدام مع دول الخليج تتمثّل مع قطر ، والدليل أنّ الوسيط بين أمريكا وصدام في العديد من المحاورات ومحاورات المرحلة الأخيرة التي سبقت ضرب العراق والتي كانت أمريكا تريد أنْ يستقيل صدام قبل أنْ تشنّ الحرب فقد كانت أمريكا توسّط قطر في ذلك .

2. في مرحلة سقوط النظام الصداميّ منذ عام 2003 إلى عام 2017 كان دور قطر عدوانيّاً بوضوحٍ ، وقد ذكرنا بعض مواقفها في النقطة التي سبقت .

3. بعد عام 2017 إلى الآن يمكن أنْ يقال : إنّ علاقة قطر بالعراق جيّدة ، وأهمّ الأدوار خلال تلك المرحلة هي :

(أ). التبادل التجاريّ ؛ إذْ ارتفعت المعدلات التجارية بين العراق وقطر إلى ما نسبته 3 مليار سنوياً بعد أنْ كان لا يتجاوز 2،7مليار دولار سنوياً قبل هذا الوقت .

(ب). في مجالات المواصلات خاصّة عقب زيارة السيد كاظم فنجان الحماميّ وزير النقل بجمهورية العراق والوفد المرافق له لدولة قطر عام 2017 واجتماعه مع جاسم بن سيف السليطيّ وزير المواصلات والاتصالات ، والذي أسفر عن تعاونٍ مثمرٍ ونوايا مشتركة لتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات النقل البحريّ والموانئ والطيران ، خاصةً وأنّ الجانبين يتقاسمان نفس النوايا الهادفة إلى تطوير هذه العلاقات لأفضل صيغة.

وتمّ تدشين الخطّ الملاحيّ البحريّ المباشر الجديد بين ميناء حمد وميناء أمّ قصر في 7 /5/ والخطّ الحالي وهو الخطّ الذي كان قد تمّ الإعلان عنه خلال اجتماع وزير المواصلات والاتصالات ونظيره العراقيّ ، كما سيتمّ قريبا افتتاح مكاتب لشركة ملاحة قطرية بميناء أمّ قصر بالعراق لتسهيل حركة الملاحة بين البلدين

وعلى صعيد الطيران المدنيّ فقد تمّ البدء في اتخاذ خطوات نحو التعاون وتقديم الدعم اللازم للنهوض بقطاع الطيران المدنيّ في جمهورية العراق من خلال الهيئة العامّة للطيران المدنيّ في قطر ، بما ينعكس إيجاباً على واقع النقل الجويّ في العراق والمنطقة ، وتعزيز سبل التعاون وتبادل الخبرات في مجال الطيران المدنيّ بين قطر والعراق.
وسيتمّ قريبا تبادل الزيارات والمعلومات والخبرات والتعاون في تطوير لوائح وتشريعات جديدة لسلامة الطيران المدنيّ في العراق بما يتماشى مع الأنظمة الأوروبية والأمريكية ، وذلك انطلاقاً من خبرة دولة قطر في هذا المجال ، خاصةً بعد اعتراف الاتحاد الأوروبي بأنظمة السلامة الجوية المطبّقة في قطر بموجب مذكرة التفاهم التي تمّ توقيعها مع الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران EASA عام 2017.

وأعربت الهيئة العامّة للطيران المدنيّ عن استعدادها لتقديم كافّة خبراتها في مجال أمن المطارات لجمهورية العراق خاصّة أنّ دولة قطر حلّت في مقدّمة دول العالم في تطبيق معايير أمن الطيران المدنيّ بحسب النتائج الرسمية التي صدرت عن المنظمة الدولية للطيران المدنيّ إيكاو في العام 2017 ، ممّا يشير إلى القفزة النوعية الكبيرة التي استطاعت الدولة تحقيقها في مجال أمن الطيران والمطارات ، ومما يعزز بدوره من مكانتها في هذا القطاع بين دول العالم.

4. قطر لها دور في العراق في التنسيق بين المكوّن السنّيّ والشيعيّ بما يجعل هناك اتفاقاً بينهما ، وهو ناتج الموقف الذي حصل بين الجبهة التي يقودها الحلبوسيّ رئيس البرلمان العراقيّ الحالي مع شيعة العراق ، وتمكّنت قطر بالفعل أنْ تكسب سنّة العراق لصالحها بنسبة كبيرةٍ ، فمنذ أنْ انشقّت السعودية عن قطر في المواقف الخليجية نجد أنّ هناك تنافساً بين السعودية وقطر على سنّة العراق ، ونجد أنّ قطر هي من تمكّنت ان تحسم وتكسب موقف السنّة لصالحها ، ويمكن أنْ يكون السباق الذي حصل بعد إعلان نتائج الانتخابات في العراق لصالح قطر ؛ فإنّ السنّة عقدوا اجتماعا برعاية تركيا ممّا جعل السعودية في موقف حادٍّ ، تمّ إثره تم تقديم دعوة إلى السنّة في العراق ليحضروا مؤتمراً تحت رعاية السعودية في الأردن بعد اسبوعين من مؤتمر اسطنبول ، إلّا أنّ الذي نجح هو مؤتمر تركيا برعاية قطر وتمويلها ، والذي فشل هو جهود ومؤتمر السبهان السعوديّ ، واستمرّت قطر في دعم العراق ، وبعد تنصيب الحلبوسيّ وتشكيل الحكومة العراقية قام وزير الخارجية بزيارة العراق ، وقدّم دعوة إلى الحلبوسي لزيارة قطر ، وتمّت الزيارة بتاريخ 18-11-2018.

5. قطر تخطط على المدى البعيد أنْ يكون بين العراق وقطر شراكات مهمّة في تبادل الغاز وتنسيق مروره ، وأنْ يكون العراق وقطر لاعبين مهمّين بالإضافة إلى إيران وتركيا في أنْ يكوّنوا محوراً اقتصادياً.

6. قطر تستفيد من الدور الايرانيّ ، وعلاقات إيران بالشيعة في العراق لمدّ الجسور والعلاقات الجيّدة بينها وبين الشيعة في العراق .

7. قطر تحاول أنْ تكون داعماً اقتصاديّاً إلى العراق ضدّ السعودية ، فقد أعلن وزير الخارجية القطريّ الشيخ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني تقديم حزمة من القروض والاستثمارات للعراق بمليار دولار مؤكّداً التزام بلاده بدعم إعادة الإعمار في العراق.وقال الوزير القطريّ خلال كلمته ضمن المؤتمر الدوليّ لإعادة إعمار العراق : «إنّ جهود قطر ستتركز في مشاريع البنية التحتية».كما أعلن رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي : «أنه يوجد 5 ملايين نازح داخل العراق ونازحين من سوريا أيضاً» ، مشيراً إلى أنّ الحكومة تمكّنت من إعادة أكثر من نصفهم إلى مناطقهم.

8. في البعد الاستراتيجي قطر تحاول أنْ تجرّ العراق إلى المحاور التالية :

(أ). المحور الاسرائيليّ ؛ لأنّ إسرائيل تدرك أنّ الشعب العراقي متنفّر من السعوديين ، وأنّ السياسية السعودية في عهد محمّد بن سلمان لا يمكن الاعتماد عليها ؛ لذا أوكلت الأمر إلى قطر ، وبالفعل فإنّ دولة قطر تعتبر دولة متحضّرة ، وتمارس عقلية عالية في تطبيق الليبرالية الغربية قياساً إلى السياسية الخليجية المتخلّفة في السعودية ؛ علماً أنّ أوّل علاقة اسرائيلية بالمحيط الخليجيّ هي مع قطر ، وأوّل وأعمق علاقة علنية ، وتوجد شركات اسرائيلية تعمل في قطر حتّى في المجال الأمنيّ والمصرفيّ .

(ب). قطر تريد أنْ تكسب العراق إليها في كلّ المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية ؛ لأنّ العراق واقع في محيطه العربيّ والخليجيّ فتعوّض به خسارة قطر لبعض العلاقات الخليجية .

(ج). قطر تعمل بهدوء وبعقلية ذات خبرة عالية في تدجين العقل الشيعيّ العراقّي للسيربه باتجاه الغرب ، من أُوربا وأمريكا والمؤسسات العالمية الغربية .

(د). قطر تريد أيضاً أنْ تدخل العراق في منظومته العربية والإسلامية التركية بدل أنْ يدخل في منظومته الاسلامية عبر إيران ، أي إنّها تريد ربط علاقات العراق بتركيا بنفس القدر الذي عليه علاقات العراق مع إيران ، بل ربّما تحاول إلى ما هو أكثر.

(هـ). قطر تريد تقوية الخطّ الإخوانيّ داخل العراق ، وقد تحقق لها هذا نوعاً مّا ، ولكنّها تريد النسخة الإخوانية الغربية ؛ لذا عمدت بتقديم المشورة إلى الإخوان في العراق (الحزب الاسلاميّ) أنْ ينتشروا على مختلف القوائم الانتخابية حتّى الشيعيّة منها ، ودفعت بالسيّد سليم الجبوريّ إلى أنْ يتبّنى تأسيس تنظيمات ليبرالية مدنية .

لقد كانت زيارة الدكتور سليم الجبوري إلى قطر عام 2017 زيارةً مهمّة في تعميق العلاقات، وفتح آفاق جدّية بين العراق وقطر ، فقد أجرى رئيس مجلس النواب العراقيّ السابق سليم الجبوريّ ، مباحثات مع أمير قطر وكبار المسؤولين فيها ، لأجل التعاون بين البلدين بعد أزمة وقطيعة.

**
ثالثا : برنامج زیارة وزیر الخارجیة القطريّ للعراق ونتائج الزیارة؟

كانت الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية القطريّ إلى العراق في 10-11-2018 تضمّنت العديد من المجالات التي طرحها وزير الخارجية القطريّ محمّد بن عبد الرحمن آل خليفة ، وهي :

(أ). ركز على المجال الاقتصاديّ والتبادل التجاريّ ، ورفع سقف التبادل إلى أكثر من 5 مليار سنوياً .

(ب). ركز على إعادة العراق إلى عمقه العربي .

(ج). طرح موضوع التبادل و التعاون المصرفي من خلال فتح مصارف متبادلة .

(د). طرح موضوع اشتراك قطر في اعمار المدن المدمّرة السنّية ، وعلى رأسها الأنبار والموصل .

(هـ). طرح موضوع التبادل في المعلومات الأمنية.

(و). عقد الاتفاقات عن الطاقة الكهربائية والنفطية والغاز .

(ز). طرح موضوع تأسيس تحالف خماسيّ مع إيران العراق ، وقطر ، وتركيا ، وسورية ، وهو مؤشّر على إيمان قطر بنظامٍ إقليميّ جديد مغايرٍ للنظام القديم الذي تستولي من خلاله السعودية على مقدّرات المنطقة ، وهو مؤشّر على أنّ قطر تتجه باتجاه التهدئة مع العراق ، وهناك من يرى أنّ السبب في طرح قطر هو شعورها واستشعارها بخطر السعودية ، ولكسر العزلة وللتدافع السياسيّ بينها وبين المحور الخليجيّ لباقي الدول .

اجمع المحللون على أنّ التحالف الذي تقترحه قطر جاء كردّة فعل على قرار الرباعيّ (مصر والسعودية والإمارات والبحرين ) .في حزيران – يونيو 2017 تمّ قطع العلاقات بين الرباعي و قطر بسبب تعاونها مع إيران ، ولأنّها – حسب زعمهم – داعمة للإرهاب ، ممّا جعل قطر تبحث عن بديل ، ولا يمكن أنْ ينجح هذا السعي من قطر في تكوين تحالف خماسي في ظلّ سعيّ أمريكا لتأسيس ناتو عربيّ بضمنه قطر.

وفي الخلاصة :

نقول : إنّ قطر بعد خلافها مع السعودية أخذت تبحث عن حلفاء لها في العالم العربيّ والإسلاميّ والخليجيّ والأوربي من خلال جولات وزير الخارجية القطريّ والأمير تميم بن حمد وتوقيع الاتفاقات التجارية والاستثمارية ، وعقد الصفقات العسكرية ، وتوقيع مذكرات التفاهم مع دول عدّة : منها الولايات المتحدة الأمريكية ، وبريطانيا ، وفرنسا ، وألمانيا ، وإيطاليا ، فضلا عن تعزيز تعاونها الأمنيّ والاقتصاديّ وحتّى العسكريّ مع تركيا والعراق وإيران .

نعم بين العراق وقطر علاقات مهمّة في الاقتصاد ، وأنّ تلك العلاقات حسّنت الكثير من الأمور في الواقع العراقيّ الأمنيّ والسياسيّ ، إلّا أنّ مقترح التحالف الخماسيّ غير واقعيّ ، وقد جُوبه بسكوت من الحكومة العراقية ، ورفض من المحور السنّي السعوديّ (المحور الوطني) وسائرون .

وفي النهاية : إنّ علاقة قطر مع العراق لا تخلو من فائدة ومهمة في ان يتموضع العراق في قلب العالم الخليجي ويوظف تلك العلاقات لصالح العراق، إلّا أنّها يجب أنْ تبقى تحت المراقبة ؛ لأنه ليس من المعقول أنّ قطر – التي هي تحت الحماية الامريكية – أنْ تتمرّد على أمريكا ، وتمدّ يد العون للشيعة في العراق خارج إرادتها وتدعوا إلى تأسيس الخماسي دون علم امريكا ، بل لا بدّ أنْ يقال : إنّها مكلّفة بدور تلعبه بعد ضعف الدور السعوديّ ، وأنّ المخطط الأمريكيّ والإسرائيلي يقتضي أنْ يحرّك أكثر من لاعب في المنطقة ، ويعتمد على تعدد اللّاعبين : الامارات ، وقطر ، والسعوديّ ، كلّها تتحرّك حركات تصبّ في صالحهم ، وإنْ اختلفوا فيما بينهم .
[٠٨:٣٣، ٢٠١٨/١١/٢٤] ابو ابراهيم موقت: نشر 👆 موقع