خصائص الثقافة السياسية للمكون الشيعي العراقي

محمد صادق الهاشمي

((الجزء الرابع ))

محمد صادق الهاشمي

أبرز خصائص الثقافة السياسية المتعلّقة بالشيعة في العراق هي:

1-     إنّ حصول الوعي السياسيّ لديهم جاء متأخراً، والدليل على ذلك أنّهم في ثورة العشرين تحملوا المسؤولية الكبرى، واعطوا الدماء وقاتلوا، شعباً وحوزةً إلّا أنّهم لم يستفيدوا من هذا الجهد في الوصول إلى جني ثمارٍ سياسية، بل انتهى الأمر إلى أنْ تتشكل الحكومة السُنية بزعامة النقيب، في الوقت الذي كانت فيه المحافظات الشيعية تجاهد الاحتلال البريطاني، وانتهى الأمر بقرار الحكومة الملكية زمن عبد المحسن السعدون تسفير المراجع والعلماء الذين قادوا الثورة ضدَّ الانكليز، كالسيد أبي الحسن الاصفهاني، والشيخ حسين النائيني، والشيخ جواد الخالصي، وآخرين، فالشيعة تاريخياً لوحظ أنّهم غير متمسكين بالسلطة، إلا بعد أثر الوعي السياسي المتأخربسبب الحيف والقهر والتهميش , ويمكن ان يقال ان الامام الخميني وثورته والفكر السياسي الذي انتجه وطبقه كان لها الاثر في تحريك الوعي السياسي في العراق نعم، في مراحل متقدمة تاريخياً نجد تجارب متعددة أمثال الدولة الصفوية في إيران، ودولة الحمدانيين في حلب، والفاطمية في مصر، وبعض الدول التي قامت في شمال أفريقيا، وبهذا يمكن أنْ نعتبر الوعي السياسي لدى الشيعة بخصوص الحكم ليس متاخراً، بل متقدّماً على أهل السنة، إلّا أننا نلحظ أنَّ هذه النماذج من الدول أغلبها لم يكن لفقهاء الشيعة فيها من دور يذكر، ومنها كان دموياً بامتياز، فلا كثير ينفع في جعله جزءاً من التاريخ الشيعي السياسي في الوقت الذي نعني بالوعي السياسي الشيعي «هو الوعي والتجربة والممارسة المستندة الى نوع من إشراف أو سلطة المراجع والفقهاء». نحن نتحدث عن التجارب المعاصرة، وهذه التجارب لاتصالها بالواقع الشيعي الراهن هي التي بلورت بعض جوانب الفكر السياسي لدى الشيعة وعلى راسها تجربة الامام الخميني، فإنّ وجود نظرية في الفقه الشيعي تؤمن بأنَّ التكليف في زمن الغيبة، هو التقية، وأنّ وظيفة الناس أنْ يكونوا أحلاس بيوتهم رافعين شعاراً مفاده: (الزم بيتك وكُن حلساً من أحلاسه، وأسكن ما سكن الليل والنهار)، حتّى جاء الإمام الخميني وفعلّ نظرية ولاية الفقيه التي تؤمن بأنّ واجب الفقيه في زمن الغيبة هو كواجب الأنبياء، فقال: (… سلام متتال على علي بن أبي طالب الذي قارع الجلاّدين المتلبّسين بلباس الإسلام، والمتظاهرين بالقدسية، فلم يكّل ولم يهن، والسلام على الحسين الذي أنتفض بوجه غاصبي الخلافة… وأوصل لنا صرخة «هيهات منّا الذّلة» الى أسماع طلاب الحقيقة وبمراجعة عميقة الى الفكر الثوري السياسي لثورة الامام الخميني والفكر السيعي السياسي النظري والعملي لانجده الا وهو يعتمد العدالة ولايومن بالتهميش.

2-     أنَّ الطائفة الشيعية العراقية  تمتلك ثقافة تعايش، وهي أكثر استيعاباً للآخرين؛لأنّها تشمل قوميات عدة: من الكرد الفيلية، ومن الشيعة التركمان، ومن الشيعة العرب. ويوجد العديد من الكتب التي تحدث بها العلماء الشيعة عن ثقافتهم السياسية الشيعية المبنية على الوطنية واستيعاب الجميع في خيمة وطنية واحدة، وأنْ تكون مصالح البلاد ووحدته هي العليا، وقد أثبت الشيعة ذلك عملياً، وقاتلوا لأجل هذه المبادئ ضدَّ الانكليز، ومن ذلك المنطلق وقفوا الى جانب العثمانيين الذين اضطهدوهم قروناً في الوقت الذي وقف سُنّة العراق ضدَّ الدولة العثمانية التي كانت تحتضنهم ونصروا البريطانيين.
3-     الولاء السياسي لشيعة العراق يكون للحاكم العادل؛ وقد أكّدوا في العديد من المناسبات، والكثير من المواقف السياسية ومراحل النضال الشيعي ضدّ الطائفية أنّهم مع الحاكم العادل والعجيب ـ مع كل ما لاقوه من ظلم طائفي سياسي ـ أنّهم لم يردّوا بالمثل؛ بل كانت مطالبهم وحدويةً للغاية، ويشهد لهذا كلامُ السيد محسن الحكيم الذي أجاب طاهر يحيى رئيس وزراء عبد السلام عارف ومبعوثه إليه أجابه قائلاً: (إنّهم كشيعة لايريدون حاكماً شيعياً، بل يريدون حاكماً عادلاً سنياً كان أم شيعياً , وقال الإمام السيد محسن الحكيم لرئيس الوزراء طاهر يحيى الذي زاره في الكوفة قائلاً: (إذ من واجب الحكومة أنْ تنظر إلى مختلف طبقات الشعب بنظرةٍ واحدة، دون تمييز أو تفريق بين قومياتهم أو مذاهبهم، ويؤسفني أنْ أرى الآن فجوة بين الشيعة والحكومة… وأنا لا أرغب أنْ أذكر لكم إلّا ما فيه صلاحي وصلاح أبناء شعبي على اختلاف أنواعهم، ولا فرق عندي بين عربي وكردي وتركي، فكلهم أخواني وأولادي , ومن خلال مراجعتنا لتاريخ النضال الشيعي خلال القرن العشرين لم نجد أيّ ولاء للحاكم على أسسٍ مذهبية، بل كان على أسس العدالة؛ لأنّ ثقافة الطائفة متأثرة بموقف المرجعية، وبموقف المشروطة في ايران إلى حدٍ ما، وهذا ما نجده حتى في بيانات السيد السيستاني التي عالج بها أحداث العراق بعد 2003.

4-    أثبت الشيعة تاريخياً في ثقافتهم السياسية بوصفهم مكوّناً عراقياً كبيراً، أنّهم يناضلون دوماً من أجل وجود الحكومة العادلة، ومنع الدكتاتورية، وكان أبرز ما تم تسجيله تاريخياً هو نضال الشيعة لأجل ترسيخ نظام (المشروطة) ردّاً على الدكتاتورية المتبعة من قبل الحاكم الإيراني، والانتقال بالبلاد إلى أسس برلمانية ورقابة شعبية ودينية، ومن الطبيعي أنْ يتأثر شيعة العراق المنقادون عقائديا للمرجعية بهذا الاتجاه آنذاك، مضافاً إلى أنّ أبرز المراجع الذين أيّدوا المشروطة كانوا في النجف الاشرف، وعلى رأسهم الشيخ كاظم الخرساني، والشيخ حسين النائيني.
وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران أيضاً مارس الشيعة الحكم على أسس الديمقراطية في إيران، وكان الدستور الذي أقرّته الجمهورية الإسلامية الإيرانية ديمقراطيا بكل وضوح، إلّا أنّه يبني أسسه على الاسلام، وانعكس ذلك على تجربة الشيعة السياسية في العراق بعد عام 2003م، فقد كان شيعة العراق أشد إصراراً على ان يكون نظام الحكم في العراق قائماعلى أسس الدستور، الذي يعطي المؤسسات الدستورية حقَّ الرقابة على كلِّ مفاصل الدولة، ويُشرك جميع مكوّنات الشعب العراقي في إدراة الدولة على قاعدة: (لكل ذي حق حقه)، وعلى أسس الانتخابات، ويصون البلاد من الانقلابات والمؤامرات. ويمنع الانفراد والاستبداد لأيِّ شخصٍ أو حزبٍ أو طائفة.

5-     الطائفة الشيعية أكثر قابلية للإندماج في المكوّنات الأخرى؛ لعدم وجود تاريخ يتحدث عن الخلافات مع المكوّنات الأخرى، فهم مع الكرد أشد تقارباً وتواصلاً؛ لما عاناه كلاهما من الظلم القومي، وهكذا مع التركمان، مما جعلهم مؤهلين لمدّ الصلات وجسور العلاقات مع باقي المكوّنات أكثر من المكوّن السني.

6-     إنّ أغلب تاريخ الشيعة السياسي وثقافتهم مبنيّ على أسس دينية ابتداءً من ثورة العشرين التي قادتها المرجعية الدينية، وقد تأسست (5) أحزاب مطلع القرن العشرين كلها كانت اسلامية، وربما كان تأسيسها بأمر المرجعية. ومضافاً إلى نضالهم ضدّ الاستكبار ثم ضدّ الطائفية، زمن السيد محسن الحكيم ووصولاً إلى نضال الشيعة ضدَّ البعث العفلقي، فإنَّ نضال وتحرك الشيعة سياسياً قد تم تأسيسه وتحركه انطلاقاً من الفكر والتحرك الديني، ونلفت النظر إلى أنَّ الأحزاب الشيعية التي تأسست عبر القرن العشرين ولغاية تاريخنا الراهن هي احزاب اسلامية, وليس فقط الأحزاب التي تأسست مطلع القرن العشرين كما يدعي البعض؛ فإنّه في مطلع القرن العشرين أَثر المقاومة الإسلامية الوطنية التي أبدتها الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وعموم العراق، ظهرت عدة أحزابٍ إسلامية منها ما كان برعاية المرجعية، ثم في العقد الثالث من القرن العشرين تأسست عدّة أحزاب، وحركات، وقوى كحزب الدعوة الإسلامية، والشباب المسلم، وتوالى نشوء الحركات في عقودٍ لاحقه كالمجلس الأعلى، وبدر، وهي الأخرى حركات إسلامية استمدت منهجها من حركة المرجعية الدينية.
إذن، الطائفة الشيعية في ثقافتها الطائفية السياسية وجدت نفسها تتحرك على أسس دينية ووجدت نفسها بعيداً عن الخط العلماني، إلا من جندته الحكومات العراقية بالقوة، أو الإغراء، أو بأي أسلوب آخر، أو بعض الشخصيات التي اندك عملها وتأثيرها ونشاطها ضمن الخط العلماني والقومي واليساري، الذي غزا العراق بعد نشوء الدولة القومية عام 1921 وصولاً الى الخط الماركسي وحزب البعث.