نقاط القوّة لدى شيعة العراق بين التحديات والمقاومة الثقافية

محمد صادق الهاشمي

(( الجزء الاول ))

محمد صادق الهاشمي

اولا –  القاعدة الجماهيرية

الزيارة الاربعينية تمنح الباحثين روية ودافع للبحث في القاعدة الشعبية الشيعية في العراق كعمق سكاني مسلم به وتعد القاعدة الجماهيرية الركيزة الأساسية للمشروع الشّيعيّ في العراق، فبالإضافة الى أنها تمثّل الأغلبية الواضحة في تركيبة المجتمع العراقي وان نفوس شيعة العراق تقريباً (60%) من السكّان، وان النّسبة المتبقية من السكّان لاتمثّل طيفا واحدا بل هي مجموعة مكوّنات، فالمكوّن العربي السّني يمثّل 15% والأكراد تقريبا 15% والباقي يمثّلون المسيح والتركمان وسائر المكوّنات الأخرى، وهذا يعني أنَّ شيعة العراق يمثّلون الأغلبية السّاحقة في العراق قياسا لسائر المكوّنات الأخرى ، مع ان أبرز المصادر أشارت إلى أكثرية المكوّن الشّيعيّ عدداً.
نعود لنؤكّد ان القاعدة الجماهيرية لاتكمن اهميتها كونها تمثّل الأغلبية فحسب، بل هذه الأغلبية تمتلك ايمانا راسخا بهويتها الإسلامية وبثوابتها المذهبية والوطنية ، والّتي لا يمكن ان تحيد عنها، ولو كلّفها ذلك الكثير من التّضحيات، وليس ببعيد عنا تلك السّنوات العجاف الّتي عاشها شيعة العراق، وقدموا على منحر المذهب والدّين قوافل من الشهداء، يتقدمهم مراجع عظام وعلماء ومفكرون، فضلا عن الشّباب المتطلّع لغد أفضل، عقائدياً، وفكرياً، ورغم قساوة وبطش النّظام البائد، الا ان ايمانهم بثوابتهم بقي راسخاً منذ العصر العباسي والاموي ثم لاحقا العثماني وتاليا المالكي والقومي والبعثي.
إنَّ هذه القاعدة الجماهيرية تمثّل الأغلبية من حيث الكم والنّوع، ولهذا تعد ركيزة أساسية في ميزان التّحدي، وميزان القوى في المعادلة السّياسيّة في العراق، بل وفي المنطقة بصورة عامّة، لأنَّ المنطقة هي الأخرى تمرّ بمتغيّرات مذهبية وطائفية، ووجود هكذا شعب يمتلك عقيدة راسخة بثوابته الدّينية بالضّرورة سيكون له التّأثير في ميزان القوى في المنطقة.
ولهذا وجدنا بعض أنظمة المنطقة وقفت بالضد من تغيير النّظام البعثي في العراق، ليس لان ذلك النّظام كان يحمل مشروعاً معادياً للتشيع في العراق والمنطقة فحسب؛ بل لان البديل الدّيمقراطي سينتج مشروعا يمثّل انعكاسا لآمال وتطلعات شعبا عراقيا، لايريد غير ترسيخ قيم الإسلام، والدّفاع عن حريم المذهب، وتقديس الثّوابت الدّينية، مع الاحترام التّام لحقوق سائر المكوّنات الأخرى ولان تحرر شيعة العراق وتمكنهم  من تكوين دولة سوف يغير خريطة الواقع السياسي الشيعي في المنطقة . لهذا هب نظام آل سعود منذ اليوم الأوّل لاسقاط العهد الجديد ومنع شيعة العراق من الحكم واخذ  يجنّد، ويدرّب، ويعبأ، ويرسل الإرهابيين من كل اصقاع البلدان العربية معبئين بفتاوى علماء الوهابية من اجل قتل شيعة العراق وافشال المشروع السياسيّ في هذا البلد، بل وجدنا تصريحات واضحة وجلية من قبل حكّام ومماليك (ملوك) بعض الدّول العربية يعبّرون عن مخاوفهم من انتصار ارادة شيعة العراق في مشروعهم، فأكّد هؤلاء ـ الرّؤساء والملوك ـ أن شيعة العراق ولاؤهم ليس للعراقحسني مبارك)، وقالوا مرة أخرى: إنَّ الخطر القادم سيكون من الهلال الشّيعيّ ملك عبد الله )، في إشارة الى شيعة العراق ولبنان وإيران كونهم جزءاً من العالم العربي وتلك الحقيقة الّتي أرّقت الحكّام العرب القوميين، من هنا بذلت جهود لترسيخ ثقافة مضادّة، طاردة لهم تصوّرهم أنّهم جزء طاريء قومياً على الأمّة العربية، وقد بنى حزب البعث  من قبل فكره على هذا الاتجاه لاسباب ستراتيجية . ويرى المراقبون أنه كلّما تماسكت العملية السّياسيّة في العراق كلما اعتقدت دول الجوار الطّائفي العربي أنَّ هذا التماسك ليس بصالحهم، وليس بصالح مشاريعهم السّياسيّة، ويناقض مصالحهم وقوميتهم المدّعاة ويوقظ جماهيرهم ضدهم، كون العملية السّياسيّة في العراق تمتاز بروح ديمقراطية عالية لم يشهد لها العالم العربي مثيل الا في مراحل متأخّرة، من هنا تتضاعف الهجمة ضد الشّيعة في العراق اسقاطا للعملية السّياسيّة، ومنعاً لها من أن تؤثّر في العالم العربي أثرها فتسهم في اعادة صياغة العقل العربي السياسيّ انْ لم تسهم في اعادة خارطته السّياسيّة.
وهذه المخاوف الّتي تنطلق من زعماء دول عربية ناتجة عن فهم معين لثّقافة الشّارع الشّيعيّ، وعمق الوعي الذّي يمتلكه، وحجم الارتباط بمذهبه الذّي لايقبل المساومة.
اننا عندما نتحدث عن ثقافة ووعي الشّارع الشّيعيّ، لانقصد بالضّرورة انها ثقافة اكاديمية وعلمية، بل ثقافة نابعة من الفطرة والجبلة الّتي جبل عليها اتباع اهل البيت (ع)، فانك في الوقت الذّي تجد ان نسبة الامية في الأوساط الشّيعيّة ربما أكثر من نسبتها في الأوساط الاجتماعية الأخرى بسبب السياسات الطّائفية الّتي حكمت العراق، إلا أنك لا تجد ولاءً والتصاقاً في أي مكوّن بعقيدته بمقدار التصاق أتباع أهل البيت بعقيدتهم، ولهذا لم نجد شعبا قدّم التّضحيات في مدة زمنية قياسية بمقدار ما قدّمه هذا المكوّن، وعليه فما نقصده من الثّقافة في بحثنا هي القناعة الرّاسخة في وجدان وضمائر ومشاعر أتباع هذا المكوّن، والّتي تكوّن بعضها بشكل فطري، والبعض الآخر من خلال المؤسسة الدّينية، والخطباء، وشرائح المثقفين الشّيعة والكتّاب وغيرهم إلا أنها (هذه الثّقافة) كانت إحدى آليات حركة التّاريخ والواقع السياسيّ في العراق، وعليها يتم التعويل في رسم ملامح صورة المستقبل السياسيّ، خصوصا أن الولاء لدى شيعة العراق لم يكن الحديث عنه ضرباً من الخيال او الافتراض او العاطفة بقدر ما هو حديث عن واقع رسمته التّجارب المريرة الّتي عاناها هذا المكوّن قروناً، مع هذا حافظ على خطّه السياسيّ، ووجوده الاجتماعي، ومرتكزاته العقائدية، فانه من البديهي لأيّ باحث أن يرى أن المكوّن الشّيعيّ هو المكوّن الوحيد الذّي عانى مرارة الأنظمة السّياسيّة ما لايعانيه أي مكوّن آخر، مع هذا بقي بكلّ قوّته السّياسيّة والمذهبية والعقائدية، ومن الجدير بالذّكر أن نلفت النّظر الى أنَّ عقائد الشّيعة وشعاراتهم خصوصا الّتي تتعلّق بآل البيت والثّورة الحسينية ومراسم الزّيارات كلها محرّكات فاعلة لتنمية الوعي السياسيّ في العقل الشّيعيّ هذا فضلا عن نشاط حركة التّبليغ لدى الشّيعة في العراق عبر الاجيال مستفيدين من المواسم الدّينية وخصوصا أيّام عاشوراء، تلك الحركة لها إسهامات في نشر المذهب، وتعميق الشعور السياسيّ، وخلق الاستعداد النفسي الهائل للثورة والمواجهة
قد تجد نسبة الفقر والعوز متوافرة بكثرة في الأوساط الشّيعيّة بسبب سياسات الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق، إلّا أنّك تجد في(ع) يعد قطب الرّحى في الثّقافة السّياسيّة الشّيعيّة، وهكذا قس على سائر الظّواهر الّتي يتجلى بها سلوك شيعة العراق للتّعبير عن هذه الثّوابت.
إنَّ مثل هكذا شعب متمسك على بساطته وفقره وجهله أحيانا بثوابته، يعد مشروعاً يهدد خصومه في المنطقة والعالم.
وهنا نسجل مايلي :
1-     ان المحور الخليجي ينظر بخوف عميق من نجاح تجربة شيعة العراق في الحكم كونها وبعد (14) عاما كانت احدى الاسباب التي تدفع شيعة المنطقة الى التحرر والتحرك فضلا عن المحركية الاساسية وهي ثورى الامام الخميني(ره), بالاضافة الى محركية التجربة الانتخابية ( تجربة ديمقراطية سياسية يقودها شيعة العراق في العالم العربي والخليجي ).

2-    ان شيعة العراق – كعرب – هم الشريحة والمكون والشعب العربي الاول الذي تمكن ان يضمن حقوقه دستوريا .

3-    نمو الوعي المقاوم في ظهراني الشعب العراقي وقدرته وتفاعله مع مراجعياته والذي  مكنه ان يكون مصدر مهم لافشال المشاريع الوهابية والصهيونية وهو شعب جدير بالاعتماد عليه .

4-    يمتلك شيعة العراق خصائص مهمة من الثروات النفطية والموقع الجغرافي والعدد السكاني (شيعة العراق وايران والخليج يشكلون نسبة 67% من عدد الشعوب الخليجية)  والاضرحة ومحركيات الدين والثورة الحسينية كالزيارة الاربعينية.

من هنا توجه الاهتمام الخليجي بالضد من المشروع الشيعي العراقي فكان تارة يمارس معهم الخطة (الف) القتل وتحطيم الدولة واربكاك الامن والحصار الاقتصادي والتعطيش وتارية يمارس معهم الخطة (ب) في مدر العلاقات الكيدية مع الشيعة في العراق عبر الموسسة الؤرسمية وعبر الموسسة السياسية وعبر الموسسات الاجتماعية والثقافية والانشطة الرياضية .

ومن هنا تتضاعف المسولية على عاتق المثقفين والاعلاميين والكتاب والنخب للنهوض بثقافة عالية تحصن الشيعة في العراق من تحديات المشروع الوهابي الصهيونية وغلق نوافذ حزب البعث والخليج والصهيونية. من خلال رفع مستوى الاداء الاعلامي والثقافي ومن خلال تسخير كل المناسبات بما فيها الزيارة الاربعينية للاعلان المكرر والناضج والواعي والهادف عن الوجود والمشروع والاستعداد. انتهى