طبيعة الخطّ السياسيّ لمرجعية النّجف

طبيعة الخطّ السياسيّ لمرجعية النّجف
(قراءة في العلاقات السياسية بين المرجعية والأمّة والطبقة السياسية ).

محمد صادق الهاشمي .

أوّلاً. المقدّمة:

مع أنّ المرجعية في النّجف الأشرف لها خطّها الفكري ونوعية التّعامل مع الواقع السياسيّ والاجتماعي ، الذی ألفته الأمّة خلال القرن العشرین ، إلّا أنّ هذا لم يمنع المرجعية عام (2003) وما بعده من أنْ تنهض بدورها في ترصين العملية السّياسيّة بناءً وتأسيساً وديمومةً من خلال الاشتراك والتّوجيه العام في الأمور العامّة والجوهرية ، فإنّ المرجعية أعطت المساحات الواسعة للسياسيّين ليمارسوا دورهم في التّفاصيل ، إلّا أنّها بقيت متمسّكة بأصل الثّوابت المؤدّية إلى الحفاظ على العملية السّياسيّة ، كحقوق الشّيعة، والحفاظ على الدّستور ، وحثّ الأمّة على التّمسك بقوّة بعمليتها السياسية , والانتخابات كأمرٍ جوهريّ في التداول السلمي للسلطة ، الذي يمنع بدوره الانقلابات العسكرية ، والطريق الذي يؤكّد حقوق الشيعة السياسية ، بما يؤدّي الى تأسيس ديمومة جديدة لها ، وبنائها والحفاظ عليها.
ثانياً. أبرز مواقف المرجعية بعد عام 2003 السياسية :
المرجعية في النّجف بعد 2003م مع أن أبرز رجالاتها يؤمنون بالخطّ الحوزوي العامّ  ـ كما يبدو ـ إلّا أنّ القدر المتيقن من سلوكهم وخصوصاً المرجع  السّيد السّيستاني كشف أنّ ثمّة ميلاً كبيراً نحو خطٍّ سياسيّ جديد لم تعهده الحوزة في النّجف الأشرف من قبلُ ، ويمكن أنْ يقال عنه بأنه يجمع بين الطّريقة العامّة  في التّعامل مع الأمور السياسية وأمور الدولة ، وبين الاقتراب من الخطّ السياسيّ الميداني ، ومن هنا لوحظّ ما يلي:

1.    خطّ المرجعية في النّجف دخل بثقلٍ كاملٍ في تأييد العملية السّياسيّة تأسيساً وبناءً وتقويماً وتقييماً وتأييداً وحثّاً وتنظيراً وإرشاداً وتوجيهاً.
2.    إنّ هذا الخطّ أراد أنْ يعمل جاهداً على تأسيس دستور يقرّ ويحفظ للشّيعة مصالحهم وحقوقهم السّياسيّة.
3.    استحضر تحرّك المرجعية السياسيّ في ذاكرته السياسية حقيقة التنوع الدّيني والإثني في العراق عبر تاريخه القريب فضلا عن المعاصر وتضاريس الخلافات ، من هنا أدرك أهمّية سنّ تشريعات دستورية هي أقرب بجوهرها إلى تشكيل حكومة سياسيّة (مدنية)  تقوم على مبدأ التّعايش.
4.    أيضاً يلاحظ في خطّ المرجعية السياسيّ في النّجف لهذه الفترة محاولة استحضارها المعاناة التّاريخية الّتي عاناها شيعة العراق أثر خروجهم أو إخراجهم عن الاشتراك في الحكومة وبناء الدّولة ، ممّا جعل الآخرين يتمكّنون من تهميش دورهم وجعلهم معارضة مقموعةً عبر التّاريخ ؛ لذا نجد أنَّ المرجعية مصرّة بوضوح على إشراك القدر الكبير من السياسيّين الشّيعة ، ومن مختلف الشّخصيات في أخذ الدّور الحكومي الشّيعيّ الذّي يستحقّونه دون تجاهل حقّ الآخرين ، ففي الوقت الذّي كنا نجد في بدايات تأسيس الدولة العراقية بعد عام 2003 أنّ المرجعية  تحثّ  القوى السّياسيّة الشّيعيّة على التّوحّد ورصّ الصّف وأخذ الدّور الفاعل بنفس الوقت نجد المرجعية تدعو بقوّة وإصرار إلى إشراك الآخرين من السنة والكرد وباقي المكوّنات في صياغة الدّستور والاشتراك في العملية السّياسيّة وبناء دورها الصّحيح كي لا تهمش ، وكي يكون بناء دولة العراق بمشاركة الجميع. ومن المؤكّد أنّ المرجعية أشرفت بنوع تفصيليّ على بناء العملية السّياسيّة في مراحلها الأوّلى.
5.    المرجعية في النّجف توسّعت في الدّخول في تفاصيل العملية السّياسيّة ، وخاطبت المكوّنات والإقليم العربي والإسلامي والدّولي ، ووجهت العديد من البيانات للقوى والدّول المحتلة للعراق ، والذّي يراجع ما جمعه الأخ حامد الخفاف يجد تفاصيل خطابات الإمام السّيستاني في هذا الصّدد.
ولكنْ يبقى السّؤال المهمّ في هذا الإطار هل أنّ الحوزة في خطّها السياسيّ ، الذّي فيه قدر واضح من الاشتراك والدّخول في التّفاصيل قد خرجت من خطّها العامّ في الانصراف إلى الدرس ؟
وسؤال آخر هل الحوزة في النجف الأشرف غيّرت متبنياتها السياسية من ممارسة الدور السياسي العامّ  إلى خطٍّ يجمع بينه وبين الخط السياسيّ التفصيليّ ، أم أنّها ما زالت تمارس ذات الدّور القديم في إنتاج الفقه حصرا , وتمارس دورها انطلاقا من زاويةٍ محددة ؟ أمران يحتاجان إلى ثمّة بحث تفصيلي.
ثالثاً. رؤية في تحوّلات العقل السياسي لمرجعية النجف الاشرف .
وجدير بالذّكر أنَّ حوزة النّجف الأشرف بعد عام 2003م ومن خلال ملاحظاتنا ـ للواقع العملي ـ لاشتراكها الميدانيّ النّوعيّ سياسيّاً نجزم أنّ لديها تحوّلاتٍ في العقل السياسيّ ، وقد قيل : إنّ لهذا التحوّل أسباباً كثيرةً وهي :

1.    هل إنَّ الضّغوط التّاريخية – منذ تأسيس الدّولة القومية عام 1921م، ومنذ نفي المراجع العظام على يد الحكومة السّعدونية مطلع القون العشرين ، ورجوعهم بعد الاشتراط عليهم أنّ لا يتدخّلوا في العمل السياسيّ ، وبعد تحرّك الدّولة القومية قرناً من الزّمن لاستيعاب الجماهير العراقية لحاضنتها ، بعيداً عن حاضنة المرجعية – تركت بصماتها على الحوزة في النّجف بتحرّك سياسيّ خاصٍّ ، أعني جعلت المرجعية الرّاهنة في النّجف تأخذ بنظر الاعتبار علاج الخلل التّاريخي الذّي ضرّر مصالح الشّيعة في العراق بنوع من الاشتراك لمنع تكرار عهدٍ زمني جديد من القتل والدماء.
2.    إنّ نهضة الإمام السيّد محسن الحكيم(قدس سره) ومن بعده التحرّك الرّسالي للشّهيدين الصّدرين وتحرّك الإمام الخميني في النّجف الأشرف وطرحه في الستّينيات من القرن الماضي موضوع ولاية الفقيه في النجف الاشرف ونتائج ووقائع ومتغيّرات حصلت في المنطقة إثر النتائج الواقعية في مسارات الشيعة وتقدّم وجودهم السياسي في المنطقة بعد ثورة الامام الخميني ، كلّ تلك الوقائع أدّت إلى تجدد الفكر الرّسالي للحوزة العلمية في النّجف وألقى هذا التحرّك أثره وظلاله على حوزة النّجف الأشرف بعد 2003، لذا لا مندوحة للقول : إنَّ الفكر السياسيّ للحوزة النّجفية وجدناه مسانخاً للفكر السياسيّ الثّوري للإمام الخميني ، ومستلهماً للتّجارب التّاريخية ، مع رؤية خاصّة بفهم الواقع الذي عليه العراق .

3.    إنَّ حوزة النّجف الأشرف بعد عام 2003م وجدت نفسها ليس وحدها في إدارة ملفّات التّشيع في العراق الدّينية والسّياسيّة، بل يقف خلفها ومعها رصيد هائل من الجماهير العراقية بطاعةٍ عزّ نظيرها في التاريخ ن وهذا عامل مهمّ في جعل المرجعية تتفاعل أكثر مع أمور الأمّة السياسية تفصيليا ، بعد أنْ شعرت أنّ الوعي الذي يمتلكه الجمهور يساعد على ذلك , وأنّ الذي يريد أنْ يدرس العلاقة بين الشعب العراقي ومرجعية السيّد السيستاني وفق أبعادها الفكريّة فإنه يجد أمّةً في غاية الوعي ، ويجدُ مرجعية ميدانية حريصة متابعة بغايةِ الدقّة لمصالح الأمّة العراقية . وأيضا يقف خلف كلّ مراجع العالم الاسلامي ، وعلى رأسهم الامام الخامنئي ، وهذا يمنح المسيرة الشيعية نوعاً من القوّة والمتانة والاقتراب من الهدف .
رابعاً. النتيجة
إنّ العملية السياسية تعيش الدور الرابع من مسيرتها السياسية , ومن يتابع بيانات المرجع  السيد السيستاني يجد ذات الموقف من الدولة والدستور ومصالح العراقيين ، ونسجل هنا ومن خلال موقف الإمام السيد السيستاني في الانتخابات ، وفي تشكيل الحكومة ، وفي أحداث البصرة ومن خلال كلّ توجيهاته وبياناته ما يلي :
1.    إنّ المرجع الأعلى  ما زال عند موقفه التفصيلي في الحفاظ على العملية السياسية .
2.    إنّ الأمّة مازالت تحمل وعياً عالياً نباهي به الأمم في طاعة المرجعية .
3.    إنّ  موقف البعض من السياسيين هو أصل الخلل ، خصوصاً وأنّهم يضعون أيديهم بيد الاستكبار ، ويمارسون الكذب وتزييف الحقائق والإصرار على المناصب واستغلال وجودهم ومناصبهم للنهب والسلب وتوسيع الثروات على حساب الشعب العراقي ممّا أضعف الدولة العراقية , وعليه فإنّ الكُرة في ملعب السياسيين، ومن المُسَلّم به أنّ الركنين الأساسيين وهما :«المرجعية والأمّة» سبب مهمّ في بناء الدولة العراقية في نظر المرجعية ، إلّا أنّ الإشكال – كما تشي وتفيد خطاباته – ينحصر في الطبقة السياسية؛ لذا منع عليهم أنْ يكون مرشّح رئاسة الوزراء من بينهم أو منهم، وإليكم ما صرّح به الأستاذ حامد الخفاف لشفق نيوز بتاريخ 10-9-2018 قال : «إنّها-  المرجعية –  لا تؤيد رئيس الوزراء القادم اذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية، بلا فرق بين الحزبيين منهم والمستقلّين ؛ لأنّ معظم الشعب لم يعد لديه أمل في أيٍّ من هؤلاء في تحقيق ما يصبو إليه من تحسين الأوضاع ومكافحة الفساد ، فإنْ تمّ اختيار وجه جديد يعرف بالكفاءة والنزاهة والشجاعة والحزم والتزم بالنقاط التي طرحت في خطبة الجمعة ١٣ ذي القعدة الموافق ٧/٢٧ كان بالإمكان التواصل معه ، وتقديم النصح له فيما يتعلّق بمصالح البلد وإلّا استمرّت المرجعية على نهجها في مقاطعة المسؤولين الحكوميين ، كما أنّها ستبقى صوتاً للمحرومين تدافع عن حقوقهم وفق ما يتيسّر لها.