المشهد السياسي الأخير و(لعبة الحية والدرج).

محمّد صادق الهاشمي

المشهد السياسي الأخير

و(لعبة الحية والدرج).

منذ طفولتي كنت أمقت لعبة (الحيّة والدرج) ، وكنت أخالها ضرباً من الخيال , وأمقتها ظانّاً عدم واقعيتها ، وأنّه لا يوجد على الأرض مصداقٌ لها ، فهي لعبة تضيع فيها الجهود ، وتتجمّد عندها العقول ، بيد اني وجدتها في لعبة تشكيل (الحكومة العراقية الديمقراطية), التي صاغ الطرف الخارجي لحمتها وسداها بما يمكّنه من التسلل إلى أعماقها مسيّراً لها تارة ، وحارفاً لبوصلتها بالاتجاهات التي يريد تارة أخرى والمواطن (المكرود) ، وأقصد به المواطن المظلوم الذي شارك في الانتخابات فهو مشدود الأعصاب ويتابع هذه اللعبة بفارغ الصبر ، ريثما يتمّ في كُلّ دورةٍ انتخابية شيءٌ من فتات الخدمات , أو يبقى الجمهور (المكرود) لاطماً نائحاً صائحاً متظاهراً خلال أربع سنوات قادمة (يعيش … يا ) ، و ( يسقط …يا) ، ثمّ تأتي الانتخابات ، وتأتي ذات الأشكال ، ونفس الاشكاليات ، وهكذا هي تلك اللعبة تتكرر بين الجمهور والسياسيين بعد تشكيل الحكومة، بعدما فعلت فعلتها بين الكتل السياسية إبان تشكيل الحكومة .

واليوم تتطوّر وتتسارع الأحداث ، وبين المعلن والخفّي مساحاتٌ كبيرةٌ ، كتلك المساحات بين الكتل السياسية تباعداً , وفي هذه المرحلة تبرز في هذه اللعبة متغيّرات جديدة ، وهي:

(أوّلاً) . في الجانب الكردي :

فإنّ الأكراد يعلنون من خلال ناطقهم – (تحسين نامق) مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 6-8-2018 – بأنّهم لا يلتزمون بالتحالف مع أيّ طرفٍ ، ولا يوجد لديهم (فيتو) أيضا على أيّ طرفٍ ، وهم مع مَنْ يؤمّنُ لهم شروطَهم التي اشترطوها ، وهذا إعلانٌ جديدٌ لمن يراقب المتغيّرات بقوّةٍ، وتلك عقبةٌ جديةٌ في وجه التحالفات الشيعية ، تجعلها مرغمةً بالقبول للشروط الكردية , وتجعل الآمال التي قالها البعض بأنّهم قاب قوسين أو أدنى من الإعلان عن تشكيل الكتلة الأكبر ؛ قد وصلت إلى مربع الصفر في لعبة الحية والدرج ما لم يستجيبوا أو يتفاهموا أو يتفهّموا مطالب الكُرد .

(ثانياً) . في الجانب السنّي توجد انشطاراتٌ واسعةٌ بين خطوط ثلاث:
خطّ الكربولي ، وأبو مازن ، وآخرين .

خطّ القرار ، والوطنية ، وآخرين.

خطّ الحلبوسي ، ونينوى ، وآخرين .

وتكاد التحالفات السنّية تكون متقاربة ، ممّا يعقّدُ وصول أيّ تحالفٍ شيعيّ إلى إعلان تشكيل الحكومة ، فتبتلع الأفعى تلك الجهود التي بُذلت من الطرف الشيعي ، لا سيّما أنّ الجميع لا يهمّه أيّ تحالف ينتمي إليه بقدر ما يهمّه الانتماء لمن يوفّر له مصالحه , فالملاك المصالح والمناصب ، وخصوصاً منصب رئيس مجلس النواب بالنسبة المكون السني .

ولا ننسي في البين اللّاعب الدولي والإقليمي ومؤثّراته ، ومن يدقق فيها يدرك إلى أين تسير البوصلة بين جناحي ( العباديّ ، وسائرون ، والحكمة ) أو جناح (المالكي ، والفتح وبعض النصر).

(ثالثاً). الجانب الشيعي :

وهو – مع كثرة ما قيل ويقال عن منجزات في التحالفات – بيد أنّ الموقف ما زال متجمّداً على محورين (العبادي وحلفائه ) من طرف ، و(المالكي وحلفائه) من طرف آخر ، إلّا أنّ لعبة (الحية والدرج) تكاد ترسم طريقها بقوّة في الحوار الشيعي ، ففي الوقت الذي يعلن فيه المالكي عن القرب من إعلان الكتلة الكبرى , يعلن محور العبادي على لسان سائرون أنّ الاجتماع بين (الحكمة والنصر وسائرون) سينعقدُ وشيكاً.

ويبدو أنّ الجمع بين الأطراف الشيعية في خيار (الخماسي) لم تتضح صورته بعدُ , وما كاد ينضج حتّى تبتلعه الأحداث في تلك اللّعبة الشيعية بفعل المناصب ، وخصوصاً منصب رئيس الوزراء ، فضلاً عن المؤثّرات الخارجية ، وتأثيرات الداخل، بالاضافة الى دخول متغير تماسك نصر أكثر بإعلان الفياض عن تخليه عن فكرة ان يترشح لمنصب رئيس الوزراء، وإعلانه أن المرشح الأوحد هو العبادي .

(رابعاً). الملاحظات :

1/إنّ التغيّر في المشهد الكردي ، وإعلانه الجديد بأنّهم لا يوجد لهم حليفٌ محددٌ إلّا مَنْ يتفق معهم على شروطهم ناشيءٌ من مؤثّر خارجي ، وأنّ المبعوث الأمريكي (ماكيغورك) كان حاضراً في المنطقة بقوّةٍ ، ومراقباً للمشهد ، ومؤثّراً عليه وموجّهاً له ، ممّا أثّر في القرار الكردي ، وما الاعلان الأخير إلا إحدى نتاجاته خصوصاً أنّهم وجدوا أنّ الموقف الشيعي لا يمكن أنْ يكون موحّداً ، لذا اختاروا اللّعب على (الحبلين) .

2/المشهد السنّي – بعد مؤتمر أنقرة والأُردن برعاية السبهان فضلا عن الخلافات المستحكمة بينهم – لم يتضح صورته الأخيرة ، إلا مجاميع ثلاث ، وقد تكون اثنين في الأخير ، فهي تترقّب الراجح من التحالفات الشيعية ، لتقفز في زورقه سعياً وراء اللّقمة الكبرى.وهكذا تتكرر لعبة ((الحية ودرج)) والتي تتكرر مرتين مرة بين السياسيين عند تشكيل الحكومة وتارة أخرى بين السياسيين والجمهور بعد تشكيلها. انتهى