قرار الانتحار.. أسبابه نفسية وعلاجاته دينية

فقدتُ الأمل من كل شيء، الوضع المعيشي الاقتصادي يزداد سوءا ولا استطيع تأمين رغيف خبز لعائلتي، دخلتُ الآن مرحلة اليأس من هذه الظروف، تنتابني الكآبة التي وصلت بي حد الإختناق، اعيش في دوامة وصراع دائمَين، انفصلت عمن احب بعد رحلة معاناة وتضحية

خاص شفقنا- بيروت-فقدتُ الأمل من كل شيء، الوضع المعيشي الاقتصادي يزداد سوءا ولا استطيع تأمين رغيف خبز لعائلتي، دخلتُ الآن مرحلة اليأس من هذه الظروف، تنتابني الكآبة التي وصلت بي حد الإختناق، اعيش في دوامة وصراع دائمَين، انفصلت عمن احب بعد رحلة معاناة وتضحية، اهلي لا يفهموني، انا الآن مرهق محبط يائس والدنيا اظلمت في وجهي، الايام تتكرر ولم اعد انتظر اي شيء جميل يحدث…انا تعيس ولا اشعر بالفرح ابدا..لماذا خلقتني يا الله؟.. وغيرها من العبارات التي ليست بغريبة على مسامعنا، تتكرر يوميا من قبل الكثير من الأشخاص الذين يعيشون بيننا، ثم ما نلبث ان نسمع بخبر انتحار احد هذه العينات.

فالمنتحر هو شخص اختار انهاء حياته بيده، عمدا، وتتنوع اساليبه ما بين الشنق، وتسميم النفس، او استعمال الآلات الحادة والاسلحة، او القفز من اعلى مبنى، بعضها تنجح والاخرى قد تبوء بالفشل، هدفه التخلص من كدر المعاناة التي يعيشها وبسبب الازمات التي تتراكم، لتسجل في لبنان مئة ضحيّة على مدى خمسة أشهر فقط في احصاء غير رسمي لعام 2018.

وقد اظهرت دراسات تناولها خبراء أن نسبة محاولات الإنتحار في لبنان وهي 2 في المئة من إجمالي عدد السكّان، تُقارِب معدّل نسب محاولات الانتحار في 17 بلداً وهي 2.7 في المئة. غير إن الأرقام المتعلقة بالإنتحارات المكتملة، والتي تنشرها منظّمة الصحّة العالميّة، تضع لبنان في مراتب منخفضة وبعيدة من المعدل العالمي (0.2 في المئة في لبنان مقارنة بـ1.4 في المئة عالمياً).

 

خوري: لابد من التشخيص

ولأن الدراسات الحديثة تؤكد على ضرورة بث الأمل لدى أولئك اليائسين المقدمين على الانتحار، وضرورة معاملتهم معاملة رحيمة، يعزو علم النفس الاسباب التي قد تؤدي الى الانتحار الى اسباب عضوية او نفسية او مرضية منها الاكتئاب او حالات القلق المزمنة او الاضطرابات في الشخصية، وفي هذا السياق يشير الاختصاصي في علم النفس العيادي الدكتور نبيل خوري الى ان هذه الحالات بحاجة الى تشخيص حتى نتمكن من وضع الامور في نصابها الصحيح ومعرفة ما هي الاسباب التي ادت بالاحباط والقلق وما شابههم وما هي الاسباب التي ادت الى محاولة الانتحار او الى نجاح هذه العملية او فشلها.

ويشير خوري في حديث خاص الى “شفقنا” الى ان هناك ايضا اسباب قد ترتبط بالوضع الاجتماعي الذي يعيشه الانسان منها الفقر، الضغط اليومي، الضغوطات الاقتصادية، اسباب عائلية منها الاسرة المفككة، حالات الطلاق، اليأس من مجريات الامور، لافتا الى ان هناك اسباب قد ترتبط بالمفاهيم الذهنية لتفكير الانسان يكون فهم الحياة الدينية بطريقة مختلطة على ذهنه وفيها شيء من التناقض، حيث يصل تفكير هذا الشخص بأن الخلاص من هذه الحياة يغدقه في حياة افضل في مكان ما وقد شهدتُ على هذه الحالات وهي متعددة في اكثر من مكان.

“ضعاف النفوس البشرية هم الاكثر عرضة للانتحار”، يقول خوري، مضيفا والذين يتعرضون لضغوطات ولا يعرفون كيف يتكيفون معها، اضافة الى الاشخاص الذين وصلوا الى درجة اليأس من كل الحلول، وهناك بعض المراهقين الذين يتعاطون المسكر او المخدرات، اضافة الى بعض الالعاب التي تدخل الى المنازل والتي تحفز على هذه الامور من باب التماهي.

هل يأتي الانتحار في تخطيط مسبق ام هو قرار فجائي؟

يجيب خوري: معظم الاحيان يأتي الانتحار بتخطيط مسبق لان هؤلاء الاشخاص يتوغلون في المواقع الالكترونية ويتصفحون محركات البحث واكثرها صفحات تحمل عناوين “كيف تنتحر من دون ألم” ، “كيف تنتحر بسرعة”، “كيف تنهي حياتك من دون ان تزعج احدا” وغيرها … وهناك سابق تصور وتصميم والانسان بحاجة الى محفزات عديدة تشجعه على القيام بهذه الخطوة من جملتها التحضير لما يمكن ان يطرأ او حتى كتابة رسالة انتحار، اما العملية الفجائية فهي نادرة.

..وهل تكفي حملات التوعية؟

يؤكد خوري على وجوب وجود حملات توعية، وان ندرك ان الحياة فيها عثرات وعراقيل وان الانسان قادر على التأقلم معها، فهو قادر على سبيل المثال، على تغيير جوه العائلي وانتظار يوم افضل، وهذه تبدأ من المدرسة، لافتا الى ان الدين احيانا يلعب دورا بارزا في الايضاح بأن الحياة هي مجرد دَيْن كلفنا اياه الله ونحن لسنا مؤهلين لننهي حياتنا عندما يكون قد اعارنا اياها الله روحا في الجسد، وهذه الطريقة تنفع اذا قوي الايمان من دون الوصول الى التعصب وانه يمكننا ان نواجه صعوبات الحياة بالايمان والارادة.

 

ما رأي الدين؟

ولا شك أن الأديان جميعها كانت ضد ظاهرة الانتحار البشري، وخصوصا الإسلام الذي حرم قتل النفس، فالقرآن العظيم لم يهمل هذه الظاهرة، بل اهتم بها وعمل على علاجها فتحدث بكل بساطة ووضوح عن هذا الأمر، حيث يقول الله تعالى: {ولا تَقْتلوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بكمْ رحيمًا. ومنْ يَفْعلْ ذلكَ عُدوانًا وظُلمًا فسوفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذلكَ على اللهِ يَسيرًا} (النساء:29-30).

يشير مدير معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية الشيخ شفيق جرادي في حديث لوكالتنا الى ان ضعف الوازع الديني واليأس عند الإنسان، وضغط العامل النفسي والذهني، هي احد اهم الاسباب التي قد توصل الانسان الى طريق مقفل من الخيارات المفتوحة ثم يشعر بعدها بفقدان راحته الفعلية، وبسبب هذا الضعف في الارادة عن الاستمرار في الحياة يتخذ قرار الانتحار.

لا صلاة على المنتحر..والرحمة تجوز

ولأن الإنسان مؤتمن على هذه الروح وهذا الجسد، فقد حرم الله تعالى الإنتحار، يؤكد الشيخ جرداي في هذا السياق انه امر حرام ولا يجوز للإنسان ان يزهق روحا وان كانت لنفسه او لغيره، وقد حرمه الله لأنه يريد للحياة ان تستمر وان لا يكون للانسان عامل مؤثر في قتل الحياة وبناء عليه يكون عقابه جهنم كمن قتل نفسا، لافتا الى انه لا يصلى صلاة الميت على المنتحر انما تجوز عليه الرحمة كما تجوز على كل الناس وطلب المغفرة له من الله تعالى خصوصا اذا كان شخصا عزيزا.

واشار الشيخ جرادي ان هناك فارق بين الانتحار والقتل الرحيم فالاخير له شروطه حسب المراجع والتقليد حيث ان الشخص قد مات فعليا لسبب من الاسباب، لافتا الى ان الدين قد عالج مسالة الانتحار ووضع لها حدا، الا ان الناس ترتكب المحرمات بما فيها الانتحار في بعض الاحيان.

وفي الخلاصة، ولأن الحياة الدنيا هي دار ممر لا دار مقر، يستحب ذكر الموت كثيرا، ولكن يُكره تمنّيه، وان عدم ادراك خطورة هذا الفعل الشنيع – اي الانتحار- ، فالجريمة كبرى ويترتب عليها حرمان النفس من حقها في الحياة، اضافة الى التعرض الشديد للعقاب الاليم في الدار الآخرة.