يوم بدر الكبرى

حامد البياتي

يوم بدر الكبرى

بدر بين الحروب والخطوب ٠

يحظى طفل الحضارة والمدنية الذي يولد حديثا، بهدايا ارق من الزبدة، واكثر عطرا من ورود الصباح، و ينتخب له المموسق من الكنى والالقاب والاسماء٠
اما ماكان عليه طفل الجاهلية فيحاط بهدايا منفرة للطباع، منها سيف اطول من قامته الغضة بعشرة مرات، ولامة حرب كاملة ودرع ومغفر، ولو كان فيه بأس، لاعطوه ايضا فرسا عربيا ذا نسب عريق لانهم جعلوا لها انسابا كما لهم ليغزوا بها، ويختارون له اوحش الاسماء واكثرها غلظة ويرضعوه بدل اللبن دما، لانهم كانوا يتفاخرون اذا اصابوا عدوهم شربوا من دم زعيمهم٠
كانت السيادة للسيف فهو صاحب الراي والقرار، ويدور النظام القبائلي حوله، لان الارزاق والمعائش مرهونة بشدخه الرؤؤس وزهقه الارواح وسفكه الدم، واستلابه الغنائم والاموال، وبهذا يكون عمود اقتصادهم وبه يعيشون ٠
يذكر المؤرخون ان هناك اكثر من ١٧٠٠ حربا دارت بين القبائل العربية وبطونها وفروعها، واستمرت اكثر من ثلاثة قرون، وبتر فيها الالاف وسبي الصغار والنساء وكتب عليهم اليتم والترمل ٠
وقد اشتهرت حروب في الجاهلية وامتدت لعقود ومن اجل اسباب تافهة لاتستحق الذكر ولكنها كلفت بحيرات من الدم٠
فحرب البسوس استمرت اكثر من اربعين عاما، واكلت الاباء والابناء، وقد نشبت بين قبيلة تغلب بن وائل وقبيلة بني شيبان، وكانت بسبب ناقة ٠
وحرب داحس والغبراء التي وقعت بين عبس وذبيان وهما من قبيلة ذبيان معا وبسبب رهان على فرسي سباق، واستمرت اربعين سنة، وقد سحق فيها جم غفير وكان من بين القتلى عنترة بن شداد ٠
ومعارك الاوس والخزرج في يثرب التي استمرت اكثر من ١٤٠ عاما، بدات ( بحرب سميت سمير وانتهت بحرب بعاث )٠
وهناك حرب بني اصفهان التي استمرت ٧٧ سنة، وحرب الفجار استمرت اربع سنوات، وهذا غيض من فيض الحروب التي تشكل تاريخنا العربي الذي نعتز به، ويبدوا اننا وببركة الوهابية وشيوخ النفط سنظيف تاريخا اسودا جديدا الى ماضينا الذي ضاع بين رماح وخيول وطبول وهيجاء ٠وهذا طبعا عدا ماصنعته حروب الامويين والعباسين الذين اعادوها جاهلية من جديد ٠
عالم من ثار وعدوان وغزوات، ولد والسلاح نزل معه من بطن امه كتوائمه، وارتضع الدم، وفطم على الجريمة ، واطعم مايحصده السيف وتناله الرماح، وشب على قطع الطرق والقرصنه، واستمرأ على هذا الحال ليس لعقود بل لقرون، فاي مصلح اوتي من المواهب والمهارات والاخلاق العظيمة والقيم الروحية يستطيع ان يروض هكذا امة، اذ ينزع منها ايمانها بالسيف وبحده وعنفه وسطوته وحكومته، ثم يجعلها تؤمن بالانسان وبالخير ثم تؤثر على نفسها ولو كان بهاخصاصة ثم تقدم نفسها قربانا على طريق الاسلام، لاريب انه فقط رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه واله وسلم ٠
ففي غزوة بدر او بدر الكبرى او بدر القتال او يوم الفرقان، والتي قتل فيها من قتل، وجئ بالاسرى، فقال لهم من علم منكم عشرة من المسلمين فذلك لقاء حريته، واعد مدرسة بذلك، ومن ملك الفدية فليفدي بها نفسه، ومن لايحسن العلم ولا يملك المال فهو حر، وقد اخذ الفدية حتى من عمه العباس الذي اخرجته قريش عنوة معهم لانهم يعلمون جيدا انه عين محمد عليهم ٠
اي تمرين انساني ادخل فيه المهاجرين والانصار، وهم يعلمون ان المشركين مازحفوا من مكة الا لاستئصال محمد وصحبه في عقر دارهم ثم يقيموا فيها الاحتفال بنصرهم العظيم وينحرون الابل ويشربون الخمور وتعزف القيان ولينهوا احدوثة الدين الجديد الذي حرر العبيد وثلم انوف المستكبرين ٠
وفي يوم الحديبية، ابقى الرسول سيوف المسلمين في اغمادها، لانه نبي السلام، وعقد هدنة مع قريش وكان هدفه اخراج حالة الجزيرة من عنق الزجاجة وفتح الجسور استعدادا لفتح مكة المبين وقد صدقه ربه مااوعده٠
كذب من ادعى ان القتلى في كل حروب النبي الاعظم هو ١٠٥٠ نفرا، اذ لايتعدون عن ٦٠٠ وما المجزرة التي قيل عنها افتراءا التي اوقعها النبي في بني قريضة الا اكذوبة لان هذا مخالفا لسيرته العطرة الذي لم يكن فظا غليظا، هذا اولا ولماذا ياتي بهم جميعا الى المدينة وهم اسرى و بالمئات ليعرضهم الى تلك المذبحة الدامية والاولى ان يقتلهم في اطناب دورهم وهذا ثانيا، واما ثالثا فقد كان وكما زعموا ان عظيمهم حي بن اخطب وولده ضمن المقتولين، فكيف ظهر هذا الشقي وابنه يقاتلان يوم خيبر وهي المعركة التي جرت بعد ثلاث سنوات من هزيمة بني قريظة ٠
انه الافك اليهودي الذي لاتنتهي حبائله حتى ياذن الله بخروج مولانا القائم، اذ يريد تشويه الاسلام من خلال هذا التباكي ولاسقاط ( ماصنع الرومان بهم في القرن الاول حيث جزورهم كالاضاحي ) على الاسلام الحنيف ٠
ان كل ماصنعه رسول الله هو ابعادهم كما ابعد بني النضير وبني القينقاع عن المدينة لانهم كانوا احلاف لقريش والشوكة المسمومة والغادرة في خاصرة المسلمين ، فمنهم من ذهب الى خيبر ومنهم غادر الى الشام ٠
لقد كان فدته النفوس يطفئ ثغرات الدم ويعفو ويعذر ويتجاوز، لانه ليس تاجر حرب وانما هو نبي الاخلاق والسلام، لهذا كان ارفق بالانسانية جمعاء من الام بوليدها، بل هو مظهر تجليات ربه الرحمن الرحيم ٠
قال تعالى ( وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم ) ٠
حامد البياتي ٠
٢٦/٥/٢٠١٨ ٠