الثّقافة السّياسيّة لشيعة العراق بعد 2003

محمد صادق الهاشمي

1-      في مطلع القرن العشرين كانت سياسة الشّيعة ترتكز على تحقيق السيادة للبلاد، وطرد الإحتلال البريطاني، وهذا الواقع تعكسه نشاطاتهم وجهادهم الطويل من عام 1914م إلى عام 1918م ثم عام1920م في ثورة العشرين. في هذه المرحلة كانت جهود الشّيعة ـ شعباً ومراجع ـ بارزةً وواضحة في مقاومة الإحتلال البريطاني، وقد اعترف العدو قبل الصديق بذلك؛ إذ تقول المس بيل ـ السكرتيرة الشّرقية لديوان المعتمد السامي البريطاني في العراق ـ: (… أمّا أنا شخصيا أفرح أنْ أرى هؤلاء الشّيعة الأغراب يقعون في مأزقٍ حرج، فأنّهم من أصعب النّاس مراساً وعناداً في البلاد. وهذه العبارة تكشف مدى الحقد الذي تكنه الحكومة البريطانية بسبب مواقف الشيعة الجهادية ضد الاحتلال البريطاني لذا نجدها متشفية بهم ثم اطلقت عليهم تسمية (الاغراب) كانها تريد ان تويد ان الشيعة ليسوا عربا تاييدا لمقولة الباججي الذي يعتذر للبريطانيين من ان قادة ثورة العشرين ليسو عربا, وبعدها استعملت كلمة الصفويين .

ولا يوجد مصدر تاريخي معتدٌ به يتحدّث عن مرحلة القرن العشرين في العراق إلا ويذكر الأثر البارز جهادياً للحوزة العلمية في النّجف الأشرف، وللمراجع وللشعب العراقي.

2-      أمّا في مرحلة تأسيس حكومة العراق الأوّلى عام (1921) فكانت التحرّكات السّياسة ترتكز على تحقيق الاستقلال السياسيّ؛لأنّ بريطانيا في عام (1922 م) حاولت عقد معاهدة مع الحكومة العراقية تتضمن الانتداب أولاً، ثم يأتي أثر ذلك المجلس السياسيّ لاحقاً ليصادق عليها، وبنود هذه المعاهدة معدّة سابقاً، وهي تتضمّن (15) مادّة، وهذه المواد تجعل الحاكم الفعلي هو المندوب السامي البريطاني، لذا، تم معارضتها بقوّة من قبل علماء الشّيعة من خلال اجتماعٍ عقدوه في مسجد الهندي، وأجمعوا على إرسال مذكرةٍ إلى رئيس الوزراء، وكان عدد الحاضرين في الاجتماع (500) شخصية، دينية، وسياسيّة، واجتماعية، وبعد شهر كان الاجتماع الآخر في بيت السّيد أبو الحسن الأصفهاني، وأكّد الحاضرون رفض الاتفاقية، وواصل العلماء رفضهم للمجلس التّأسيسي الذّي أُوكلت له مهمّة التصديق على هذه الاتفاقية. هذه المواقف هي الّتي جعلت الحكومة العراقية بقيادة السعدون تقرر نفي المراجع من النّجف إلى إيران في (25 ـ 26/حزيران/1923). كما ذكرنا، ومن هنا نجد ثقافة سياسيّة راسخة لدى الشّيعة في هذه المرحلة مفادها الشعور بأنّهم المؤسسون لسياسة الاستقلال الوطني.

3-      بعد نفي العلماء في العقد الثّاني من القرن العشرين ولغاية عقد الخمسينيات، عاش الشّيعة في العراق (خمولاً سياسيّاً)؛ إلّا أنّه في زمن الإمام محسن الحكيم(ره) سيد العراق ومقرر هويته الاسلامية , وظهور حركات سياسيّة مثل حزب الدّعوة، والشّباب الإسلامي، وغيرهم، وصعود نجم الشهيد الصدرالاول شهيد العراق ومحي جهاده السياسي بعدها ظهرت مع تلك الحركة الطويلة من التاريخ الجهادي ثقافة المطالبة بالحقوق الإسلامية، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ورافقت هذه الحركة ثقافة المطالبة بالحقوق المدنية للشّيعة، بل كانت أهداف التحرّك هي إقامة الدّولة الإسلامية، ولم نجد في أدبياتهم المطالبة بحقوق الشّيعة بمعزل عن الأهداف الإسلامية.

4-      بعد سقوط النّظام الصدّامي في عام2003م تكوّنت لدى الشّيعة ثقافة سياسيّة جديدة أبرز محاورها:

أ‌-       بناء دولة العراق على أسس تحفظ حقوقهم بوصفهم مكوّناً عانى التهميش تاريخياً.

من خلال تأكيدهم بناء دولة العراق على أساس دستوري يلغي الشمولية، والدّكتاتورية، وسيطرة الأقلّية على أمور البلاد

ب‌-     طرح مبدأ التّعايش مع شرائح المجتمع العراقي بكلّ قومياته ومذاهبه، وحفظ حقوق جميع أبناء الشّعب العراقي ضمن الدّولة الواحدة، وإشراك الجميع في بناء دولة العراق، فالذّي نلحظه لدى الوسط الاجتماعي الشّيعيّ من أنَّ ثقافته السّياسيّة تقوم على مبدأ التعايش مع جميع أبناء الشّعب العراقي كرداً، وعرباً، مسلمين، ومسيحيين، سُنّة، وشيعة، وغير ذلك، تحت خيمة الدّستور، ولم نلحظ لديهم وجود ثقافة الإلغاء أو اعتبار الطّائفة الفلانية ليست عربية، أو ذات أصول تركية، أو أرمنية، بل لديهم مبدأ التّعايش على أساس المواطنة راسخاً في ثقافتهم ووجدأنّهم.

ت‌-     وفي ثقافتهم السّياسيّة التفصيلية  الإيمان بمقاومة المحتل، وقد استطاعوا انجاز عمل رائع في طرد المحتلّ الأمريكي والداعشي  الذّي كان يريد جعل العراق قاعدة لضرب العالم الإسلامي والعرب .

ث‌-     في ثقافاتهم السّياسيّة التفصيلية أيضاً ـ الإيمان بالإنتخابات كصمام أمان لحفظ العملية السّياسيّة، وأنّ أحد أبرز المحاور الّتي يؤكّدها الشّيعة في ثقافتهم السّياسيّة هو حفظ العملية السّياسيّة، وأنْ تكون المناصب السيادية العليا (منصب رئيس الوزراء) هو من حق الشّيعة الإسلاميين. المواطن الشّيعيّ يدرك بوضوح خطر الشّخصيات والحركات غير الإسلامية، وصار يعرف بدقّة أنَّ بعض أطراف العملية السّياسيّة تحمل مشروعاً بعثياً، سعودياً، تركياً، قطرياً, امريكيا، لذا، نجد الشّيعة في العراق يدافعون بقدر كبير عن القادة الإسلاميين الشّيعة،

 

النتيجة: إنَّ ثقافة الشّيعة التفصيلية لما بعد2003م كانت عالية الدقة؛ لأنّها استفادت من أخطاء الماضي السّياسيّة، وعليه، فهُم مع كل خلافاتهم ومشكلاتهم إلّا أنّهم يرتكز بأعماقهم الدّفاع عن المكاسب السّياسيّة للطائفة، ولكن الامر الاساس في نجاح مسيرتهم السياسية ان تكون القيادات السياسية بمستوى طموح الجمهور وهذا يقتضي وحدتهم وتنازلهم لبعضهم وسيرهم موحدين نحو برنامج ومشروع سياسي خدمي والا فانهم امام تحديات وجودية ومحاور متناقضة

◾ لكن لاشي أخشىاه على مستقبل العملية السياسية، مادام هناك أجيال واعدة قادرة على النهوض وان تكون دماء وطاقات وكوادر، تساهم في حفظ المكتسبات، وتعالج الاخفاقات مهما كلف الثمن.