الفرق بين الخطاب الانتخابي والحكومي

محمّد صادق الهاشمي

يطرق سمعنا من البعض قائلا :  إنّ رئاسة الوزراء حقّ الجهة الفلانية ، وآخر يقول : إنّها  للحزب الفلاني ، إذن لماذا نقيم الانتخابات! ؟، وآخر يقول : نحن مَنْ نحدد رئاسة الوزراء وفلان مرشّحنا لهذا المنصب ، وكأنّما مشكلة العراق الآن هي مَنْ يكون رئيساً للوزراء.

 

وإذا كان من الحزب الفلاني أو الطرف الفلاني فإنّ الشعب العراقي سيتوجه إلى الانتخابات زرافات ووحدانا ، و{يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحجّ : 27] ، بينما هذا الخطاب متأخّر رتبة عن الخطاب الانتخابي حسب الفرض . وهنا عدد من الملاحظات :

 

  1. أيّها السياسيون لا تستعجلوا الحديث عن مستقبل الحكومة ومَنْ يشكّلها ؟ ، ومَنْ هو المرشّح لرئاسة الوزراء؟؛ فأنتم في مرحلة الدعاية الانتخابية وخطابها يعتمد على بيان البرنامج الانتخابي :الخدميّ ، تقديم الأفضل ، فإنّ المواطن له في هذه المرحلة يطلب{…تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة : 12] بخصوص من  يحاكي محنته ورغباته وطموحه ومستقبله ، وكم فرقٍ بين أنْ نقول لشعبنا المظلوم ، الخارج توّاً من محنة داعش بما فيها من بيوتٍ مهدّمةٍ وأراملَ وأيتامٍ وفقراء وعوزٍ وبطالةٍ : «نحن سنكون  الحكّام عليكم »، بين أنْ نقول له : «سنكون بخدمتكم ونحسّن أحوالكم ونقدّم لكم  الخدمات» .
  2. الخطاب الانتخابي هو خطاب خدمي بحت وخطاب برامج تلامس حاجة المواطن ، وليس هناك من حاجةٍ إلى الجدل عن الحكومة ، بل قد يكون الحديث عن مستقبل الحكومة محبطا.
  3. إنّ لكلّ حادثٍ حديثاً ، ولكلّ مقامٍ مقالاً ، كما قالت العرب ، وقال تعالى : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ…} [النحل : 125] ، فالحكمة تقتضي من المرشّحين مراعاة مراحل الخطاب ، فالآن نحن في مرحلة الخطابات الانتخابية لا الخطاب الحكوميّ – وفي المثل :«تزبب حصرماً» أي صار زبيبا في وقت حصرمه – ، باستعجالكم الحديث عن رئاسة الوزراء ومَنْ هو الأحقّ بها ؛ فإنّ هذا الحديث يكون مهما في وقته بعد إعلان نتائج الانتخابات ، حينما يتضح من خلالها لكلّ منكم كم عدده ووزنه وقدره الانتخابيّ ، وموقعه الحكومي والسياسي الذي يؤهّله إلى القول : «أَمَا وَاللَّهِ أَنَا وَإِيَّاكُمْ لَنَعْرِفُ ابْنَ بَجْدَتِهَا ، وَالْخَبِيرَ بِهَا»، بموجب نتائج الانتخابات .
  4. إذا كان معيار الادّعاء بأحقّية أيّ طرف في رئاسة الوزراء هو عدد المقاعد التي تفرزها الانتخابات باعتباره معبّراً عن رأي الأمّة وفق فلسفة الانتخابات تجعل الأمّة من خلال الصناديق هي مَنْ تؤهّل قادتها وتعتمد رجالاتها ؛ فهلا يفرض علينا ذلك الانتظار ريثما تعلن نتائج الانتخابات ، وإلّا فلا معنى لها إذا كان قادة القوم هم من يقررون الحكومة مسبقاً دون الرجوع إليها، وهذا منطق الدستور . في الحقيقة تلك ظاهرة خطيرة لمن يتأمّل فيها ،«لقَدْ ذَهَبْتُم فيها عَرِيضَةً» فقد خالفتم بها كلّ تجارب العالم الانتخابية.

وإذا كان المعيار انجازاتكم الخدمية  فليكن حديثكم فيها ، وفي ما قدّمتموه إلى  الشعب العراقي من : عدد المدارس التي شُيّدت في عصركم ، والمستشفيات التي بنيت ، والجامعات ، والوظائف والطرق ، والجسور والطرق وسكك ومحّطات القطار ، والمجمعات السكنية ، وتحسين المستوي المعاشي ، والخدمات البلدية ، والوضع الأمنيّ والمصانع التي أنتجت منتجات وطنيّة ، وعدد الحقول والأراضي التي كانت مواتا فاستصلحت وبها استغنينا عن الاستيراد و… و…. حينها  ستحكم الأمّة على صدق مدّعاكم بأحقّية الحكم وعدمه ، وليكن اصراركم على الحكم والحكومة وفق المنجزات.

  1. نصيحتنا لكم – كمركز أبحاث –  يقرأ توجّهات الرأي العام وتأثيرات الخطاب بأنْ تكفّوا عن هذا الخطاب في هذه المرحلة ؛ لأنه يكشف عن نوعٍ من الصراع الحزبي المبكر والخلاف  المحاصصاتيّ العميق ، وهذا له تداعيات غير مشجّعة تنعكس على إقبال الناخب، إنْ يقي لكم أمل في ناخب. وإذا كان هناك ضرورة للحديث فليكن حديثاً عن مستقبل الاتفاقات  الخاصّة بينكم بعيداً عن الإعلام الذي يتصيدكم لينفذ بينكم ويمعن فيكم ضعفا وتنفيرا .
  2. الدستور يفرض عليكم ما يلي :

 

(أوّلاً): اقنعوا الأمّة الآن بخطابكم الانتخابي حتى تعالجوا العزوف ليمنحكم رأيه وتأييده .

 

(ثانيا) : بعد إعلان نتائج الانتخابات عودوا بحرص وثيق  إلى بيتكم الشيعي لتطبخوا القرار من خلال تحالف مهم بنّاء ؛ لتخرجوا بعده إلى الأمّة موحّدين . وبهذا يحقّ الحقّ . و{ وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف : 68] .